انقسام إيراني حيال 'اتفاقية مكة': دعوات للانضمام وتشكيك في الأهداف الدفاعية
أحدثت 'اتفاقية مكة للدفاع المشترك' الموقعة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حالة من التباين الحاد في أروقة السياسة الإيرانية. وتراوحت ردود الفعل بين التشكيك الجذري في أهداف التحالف الجديد، وبين رؤى براغماتية تدعو طهران لاستكشاف فرص الانضمام أو التأثير في مسار هذا التكتل الإقليمي الناشئ.
في هذا السياق، برز موقف وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف الذي شدد على ضرورة بناء تحالفات دفاعية واسعة بين الدول الإسلامية. واعتبر ظريف أن التهديدات التي يفرضها قادة الاحتلال الإسرائيلي ومشروع 'إسرائيل الكبرى' تتطلب تنسيقاً أمنياً إسلامياً يتجاوز الخلافات البينية لمواجهة الأخطار المشتركة.
من جانبه، ذهب الناشط السياسي الإصلاحي عبد الله رمضان زاده إلى أبعد من ذلك، داعياً الحكومة الإيرانية إلى الترحيب بالاتفاقية وتقديم طلب رسمي للانضمام إليها. ورأى زاده أن الاتفاقية، بحسب معطياتها المعلنة، لا تستهدف دولة بعينها، مما يفتح الباب أمام طهران لتحويلها إلى ميثاق إقليمي يركز على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وأشار رمضان زاده إلى أن لجوء السعودية لطلب الدعم العسكري من باكستان وتركيا يعكس حاجة الرياض لتعزيز أمنها، وهو ما يجب أن تقابله طهران بحسن نية. واقترح استثمار علاقات إيران المتينة مع أنقرة وإسلام آباد لدفع التحالف نحو مسارات تخدم الاستقرار الإقليمي بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
وعلى صعيد التحليل الاستراتيجي، اعتبر حسام الدين آشنا، مستشار الرئاسة الأسبق أن الاتفاقية تمثل تحولاً جوهرياً في قواعد الصراع بالمنطقة. وأوضح أن دخول تركيا وباكستان كأطراف ضامنة لأمن السعودية يقلل من فاعلية التهديدات الموجهة لدول الخليج، ويؤسس لنواة نظام أمني جديد يرتكز على ثلاث عواصم كبرى.
وفي قراءة نشرتها صحيفة 'دنياي اقتصاد'، اعتبرت أن الرسالة الأهم للاتفاقية تكمن في إدراك دول المنطقة لضرورة الاستعداد لمرحلة 'ما بعد أمريكا'. ورأت الصحيفة أن واشنطن لم تعد قادرة أو راغبة في تحمل تكاليف الأمن الإقليمي، مما يضع إيران أمام سؤال مصيري حول موقعها في المنظومة الأمنية الجديدة.
في المقابل، سادت نبرة التشكيك لدى التيار المتشدد، حيث اعتبر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان أن الاتفاقية لن تحقق الأمن المنشود للرياض. وأكد رضائي أن الاتفاقات الورقية مع قوى إقليمية لن تكون بديلة عن تغيير السياسات الكلية والاعتماد على الذات بدلاً من طلب الحماية من الآخرين.
بدوره، انتقد كيان عبد اللهي، رئيس تحرير وكالة 'تسنيم'، ما وصفه بسياسة 'شراء الأمن' التي تتبعها السعودية عبر ضخ الأموال في تركيا وباكستان. ورأى عبد اللهي أن هذا النهج لا يختلف عن الاعتماد السابق على الولايات المتحدة، ولن يؤدي إلى استقرار مستدام ما لم يتم إشراك جميع دول المنطقة في منظومة أمنية موحدة.
أما وكالة 'مهر' فقد تبنت موقفاً أكثر حذراً، حيث وصفت الاتفاقية بأنها محاولة لإعادة تعريف الأمن في الشرق الأوسط بالاعتماد على القدرات المحلية. وحذرت الوكالة من التسرع في وصف التحالف بـ 'ناتو الشرق الأوسط'، مشيرة إلى أن علاقات باكستان وتركيا مع إيران قد تمنع تحول الاتفاقية إلى تكتل معادٍ بشكل مباشر.
وفي تعليق غير مباشر، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت قدرتها على مواجهة أكثر القوى العسكرية تطوراً في العالم. ودعا عراقجي دول الجوار إلى انتهاج 'الأخوة الحقيقية' والاعتماد على الطاقات الذاتية للمسلمين لمواجهة التحديات التي تفرضها القوى الأجنبية المعادية.
وقد فسرت مصادر مقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي تصريحات عراقجي بأنها رد ضمني يعكس رفض طهران لنموذج أمني يستند إلى محاور استقطابية. وترى هذه المصادر أن أي اتحاد أمني إسلامي يجب أن ينبع من الجوار الجغرافي والتعاون المشترك، وليس كاستجابة لضغوط أو ترتيبات خارجية.
وخلصت التحليلات الإيرانية إلى أن منطقة غرب آسيا دخلت مرحلة جديدة من التنافس على 'هندسة الأمن'. ولم يعد الصراع مقتصرًا على القوة العسكرية الخشنة، بل امتد ليشمل صراع الإرادات حول من يمتلك حق تصميم المنظومة الأمنية المستقبلية للمنطقة وكيفية توزيع الأدوار فيها.
ويبقى التساؤل القائم في طهران حول كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد؛ فبينما يرى البعض ضرورة الانخراط لتجنب العزلة، يصر آخرون على أن التحالفات التي تقودها الرياض ستبقى تدور في فلك المصالح الغربية، مما يجعل التوجس هو سيد الموقف في الدوائر الرسمية الإيرانية حتى الآن.



