حين يصبح التشهير تجارةً: إعلامٌ يقتل الحقيقة قبل أن يبحث عنها

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

سبتمبر 28, 2026 - 09:02
حين يصبح التشهير تجارةً: إعلامٌ يقتل الحقيقة قبل أن يبحث عنها

حين يصبح التشهير تجارةً: إعلامٌ يقتل الحقيقة قبل أن يبحث عنها

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ليست كل منصة ترفع شعار الإعلام صحافة، وليس كل من حمل هاتفاً وفتح صفحة أو موقعاً أصبح صحفياً، كما أن كثرة المتابعين لا تمنح صاحب المنبر شهادة مهنية، ولا تحوّل الاتهام إلى حقيقة. فالصحافة التي تستبدل الوثيقة بالإشاعة، والتحقق بالإثارة، وحق الرد بالتشهير، لا تمارس دور السلطة الرابعة؛ بل تخاطر بتحويل المنبر الإعلامي إلى أداة ضغط واغتيال معنوي.
هذه ليست دعوة إلى إسكات النقد، ولا محاولة لحماية أي مسؤول أو شخصية عامة من المساءلة؛ بل هي دعوة إلى إعادة الاعتبار للقاعدة البسيطة التي قامت عليها الصحافة المهنية: لا حقيقة بلا دليل، ولا اتهام بلا مصدر، ولا إدانة قبل القضاء، ولا مصلحة عامة في انتهاك الحياة الخاصة لمجرد الإثارة.
لقد عرف العالم ظاهرة الصحافة الصفراء منذ القرن التاسع عشر، حين تحولت المنافسة على القراء إلى سباق نحو العناوين المثيرة والقصص الأكثر جذباً للجمهور. لكن البيئة الرقمية أعادت إنتاج الظاهرة بصورة أكثر خطورة؛ إذ أصبحت المعلومة قادرة على الانتشار خلال دقائق، بينما قد يحتاج تصحيحها إلى أيام، وربما لا يصل التصحيح أبداً إلى الجمهور الذي وصل إليه الاتهام.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: الضرر الذي يصنعه الخبر غير الموثق قد يصبح واقعاً اجتماعياً حتى لو ثبت لاحقاً عدم صحته.
وقد درس المفكر الأمريكي والتر ليبمان منذ عشرينيات القرن الماضي العلاقة بين الإعلام وتكوين الصور الذهنية لدى الجمهور، مبيناً أن الناس لا يتعاملون دائماً مع الواقع مباشرة، وإنما مع الصور التي تتشكل لديهم عنه. وهذه الفكرة تكتسب أهمية مضاعفة في البيئة الرقمية، حيث يمكن لتكرار رواية واحدة أن يصنع انطباعاً عاماً قبل اكتمال الوقائع.
أما هانا أرندت، فقد أولت الحقيقة الواقعية مكانة أساسية في الحياة العامة، لأن المجال السياسي والاجتماعي لا يستطيع أن يعمل إذا انهارت الحدود بين الحقيقة والادعاء. ومن زاوية أخرى، ظل جورج أورويل يحذر من استخدام اللغة لتشويه الحقيقة أو إخفائها. أما أمبرتو إيكو، فقد أثار في سنواته الأخيرة مسألة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في المجال العام، والتنبيه إلى أن اتساع القدرة على النشر لا يعني بالضرورة اتساع المعرفة أو الكفاءة.
هذه الأفكار لا تعني أن هؤلاء المفكرين وضعوا وصفة جاهزة لمعالجة الإعلام الرقمي، ولا يصح تحميلهم أحكاماً لم يقولوها؛ لكنها تقدم لنا إطاراً لفهم الخطر: حين تصبح القدرة على النشر أكبر من القدرة على التحقق، يصبح المجتمع أكثر عرضة لصناعة الوهم.
وفي فلسطين، حيث تتقاطع السياسة مع الاحتلال والانقسام الاجتماعي والضغوط الاقتصادية، فإن مسؤولية الإعلام أكبر من أي وقت مضى. نحن بحاجة إلى صحافة تكشف انتهاكات الاحتلال، وتوثق معاناة الناس، وتراقب المؤسسات، وتطرح ملفات الفساد وفق الأدلة، وتدافع عن الحريات العامة، وتفتح المجال للرأي والرأي الآخر.
لكن تحويل المجال العام إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، أو نشر الاتهامات غير الموثقة، أو النبش في الحياة الخاصة، أو إصدار أحكام أخلاقية وقانونية على الأشخاص قبل أن تنظر الجهات المختصة في الوقائع، يهدد بتحويل الإعلام من وسيلة لبناء الوعي إلى مصنع لإنتاج الشائعات والانقسامات.
وهنا يجب التمييز بدقة بين الصحافة الاستقصائية وصحافة التشهير.
الصحافة الاستقصائية تبحث عن الوثيقة، وتتتبع المال والقرار والمعلومة، وتواجه الأطراف المعنية، وتمنحها حق الرد، وتتحمل مسؤولية ما تنشره. أما التشهير، إذا ثبتت ممارسته، فيقوم على تحويل الاتهام إلى مادة استهلاكية، وتقديم رواية أحادية، وإثارة الجمهور، وربما استثمار الحياة الخاصة للإنسان لتحقيق المشاهدة أو الضغط أو الانتقام.
ومن الناحية القانونية، لا يجوز أن تتحول المنصة الإعلامية إلى محكمة بديلة. الصحفي يحقق وينشر ما يستطيع إثباته، أما الإدانة والعقوبة فلهما مسارهما القضائي. وفي الوقت نفسه، فإن حماية السمعة لا ينبغي أن تستخدم لمنع النقد المشروع أو كشف قضايا المصلحة العامة.
إن احترام قرينة البراءة، وحماية الخصوصية، وحق الرد والتصحيح، والتثبت من المصادر، وعدم نشر الادعاءات بوصفها حقائق، كلها ليست ترفاً مهنياً؛ بل عناصر أساسية في إعلام مسؤول.
والأخطر وطنياً أن تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة عامة. فعندما يعتاد الجمهور مشاهدة التشهير يومياً، قد يصبح انتهاك الخصوصية أمراً عادياً، ويصبح الحكم على الناس من خلال مقطع أو عنوان أمراً مقبولاً، ويصبح الصخب أكثر تأثيراً من الوثيقة.
وهنا تبدأ المشكلة الاستراتيجية: المجتمع الذي يتعود على محاكمة الأشخاص عبر الشاشات قد يفقد تدريجياً ثقته بالقانون والمؤسسات والقضاء.
لذلك فإن مواجهة الإعلام الفضائحي لا تكون بإغلاق الأفواه، وإنما ببناء منظومة إعلامية أكثر حرية وأكثر مهنية في الوقت نفسه: مواثيق مهنية واضحة، حق فعلي في الرد، آليات تصحيح معلنة، مساءلة قانونية عادلة عند وقوع التجاوزات، شفافية في التمويل، وتربية إعلامية تمكن المواطن من التمييز بين الخبر والرأي والإشاعة والدعاية.
كما ينبغي أن تكون أي أموال عامة موجهة إلى الإعلام مرتبطة بمعايير مهنية معلنة وقابلة للمساءلة، لا بمقدار الضجيج الذي تستطيع منصة ما إحداثه. فالمال العام يجب أن يخدم المعرفة والمصلحة العامة، لا أن يتحول إلى وقود لصناعة التشهير أو الاستقطاب.
إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج؛ تحتاج إلى مزيد من الحقيقة.
ولا تحتاج إلى منصات تجعل الخلافات الشخصية مادة يومية للاستهلاك؛ بل إلى إعلام يستطيع أن يسأل السلطة، ويحاسب المسؤول، ويفتح الملفات، ويكشف الخلل، ويحمي المواطن، دون أن يتحول هو نفسه إلى سلطة فوق القانون.
فالصحافة التي تقتل سمعة الإنسان قبل أن تتحقق من الوقائع قد تقتل شيئاً أكبر من السمعة: ثقة المجتمع بالحقيقة نفسها.
وفي زمن يستطيع فيه هاتف صغير أن يصنع قضية عامة خلال دقائق، تصبح المسؤولية الأخلاقية والقانونية والوطنية أكبر من أي وقت مضى.
لهذا نقولها بوضوح: ليس كل ما يثير الجمهور يستحق النشر، وليس كل ما يُنشر يستحق التصديق، وليس كل من يرفع راية الإعلام يملك حق انتهاك كرامة الناس.
الصحافة الحقيقية لا تخاف من الحقيقة، ولا تحتاج إلى التشهير كي تثبت وجودها.
والمنبر الذي لا يحترم الحقيقة والإنسان والقانون، مهما ارتفع صوته، يبقى بحاجة إلى أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين: هل نحن أمام إعلام يبني الوعي، أم أمام صناعة للضجيج تعيش على حساب الحقيقة؟