الحوار الوطني الفلسطيني.. هل يكون بوابة لتأجيل الانتخابات؟
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
الحوار الوطني الفلسطيني.. هل يكون بوابة لتأجيل الانتخابات؟
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تدخل الساحة الفلسطينية مرحلة سياسية دقيقة مع تشكيل حركة «فتح» وفداً للحوار الوطني برئاسة أمين سر اللجنة المركزية جبريل الرجوب، وعضوية ماجد فرج ومحمد اشتية وروحي فتوح وأحمد أبو هولي وزكريا الزبيدي، وبدء اتصالات مع مختلف القوى والفصائل تمهيداً لحوار يُنتظر أن تستضيفه القاهرة. وبحسب ما أوردته مصادر فلسطينية، فإن الحوار المقترح سيبحث ملفات الانتخابات وإعادة تشكيل المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير، إلى جانب القضايا السياسية والوطنية الأخرى.
المسألة التي تستحق التوقف عندها ليست في أهمية الحوار الوطني، فالحوار ضرورة فلسطينية في ظل الانقسام والتحديات المتراكمة، وإنما في توقيته وعلاقته المباشرة بالانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
ففي 26 أيلول/سبتمبر بدأت لجنة الانتخابات المركزية رسمياً استقبال طلبات ترشح القوائم، على أن تستمر فترة الترشح حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، وفق جدول زمني معلن يستند إلى المرسوم الرئاسي وقانون الانتخابات العامة. وهذا يعني أن العملية الانتخابية دخلت فعلياً مرحلة إجرائية متقدمة، ولم تعد مجرد إعلان سياسي أو وعد مستقبلي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل التصريحات السابقة للرجوب نفسه، إذ استبعد في 10 أيلول/سبتمبر إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، ودعا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، معتبراً أن هذا المسار يمكن أن يتم من خلال حوار وطني شامل.
من هنا يبرز السؤال السياسي المشروع: هل الحوار المرتقب في القاهرة يستهدف معالجة العقبات التي تعترض الانتخابات، أم أنه يمهد عملياً لإعادة النظر في موعدها؟
لا توجد حتى الآن معطيات معلنة تسمح بالقول إن قراراً نهائياً اتخذ لتأجيل الانتخابات. كما أن مجرد تشكيل وفد للحوار لا يعني حكماً أن الانتخابات ستؤجل. لكن تزامن الحوار مع بدء مرحلة الترشح، وسبق ذلك تصريحات تستبعد إجراء الانتخابات في موعدها، يجعل احتمال بحث التأجيل داخل الحوار أمراً لا يمكن تجاهله.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الحوار الذي يحمي الاستحقاق الانتخابي والحوار الذي يستبدله.
إذا كان الهدف من الحوار هو توفير التوافق الوطني، وضمان مشاركة مختلف القوى السياسية، ومعالجة العقبات المتعلقة بالانتخابات في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، فإن الحوار يمكن أن يكون عاملاً مساعداً لإنجاح العملية الديمقراطية.
أما إذا أصبح الحوار مدخلاً لإعادة ترتيب النظام السياسي برمته قبل إجراء الانتخابات، وربط الانتخابات التشريعية بإعادة تشكيل المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير وانتخابات رئاسية جديدة، فإن الخشية المشروعة تتمثل في أن تتحول الملفات المتعددة إلى سلسلة من الشروط المتبادلة التي تؤدي في النهاية إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابي.
والقضية هنا ليست إجرائية فقط، بل قانونية وسياسية. فالانتخابات التشريعية أصبحت مرتبطة بجدول زمني رسمي، وتحدد يوم الاقتراع في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، فيما بدأت بالفعل إجراءات الترشح. ولذلك فإن أي تغيير في الموعد ينبغي أن يكون قائماً على أساس قانوني واضح، ومبررات موضوعية ومعلنة، وتوافق وطني حقيقي، وألا يتحول التأجيل إلى حالة مفتوحة بلا سقف زمني.
كما أن إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها تمثل استحقاقاً وطنياً بالغ الأهمية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتعليق الاستحقاق التشريعي. ويمكن معالجة المسارين بالتوازي وفق جدول زمني واضح، بدلاً من جعل إنجاز أحدهما شرطاً مسبقاً للآخر.
القاهرة تملك خبرة طويلة في رعاية الحوار الفلسطيني، ويمكن لدورها أن يكون مهماً في تقريب المواقف ومنع الانقسام من التحول إلى حالة دائمة. لكن نجاح أي حوار لا يقاس بعدد الفصائل المشاركة فيه، وإنما بقدرته على إنتاج مخرجات واضحة وقابلة للتنفيذ، تحافظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني وتعيد الاعتبار لصندوق الاقتراع.
المطلوب فلسطينياً في هذه المرحلة هو حوار من أجل الانتخابات، لا حواراً بديلاً عنها.
وإذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها لأسباب قانونية أو موضوعية قاهرة، فيجب أن يكون التأجيل، إن حدث، محدداً ومعلناً ومقترناً بموعد بديل وآلية واضحة، لا أن يتحول إلى تأجيل مفتوح يعيد إنتاج أزمة الشرعية.
فالانتخابات ليست مجرد استحقاق تنظيمي، وإنما إحدى أدوات تجديد الشرعية السياسية وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ومن هنا فإن السؤال الذي ستواجهه القوى الفلسطينية في الحوار المرتقب ليس فقط: هل تؤجل الانتخابات؟ وإنما السؤال الأعمق: ما البديل؟ وما السقف الزمني؟ ومن يملك قرار التأجيل؟ وما الضمانة بأن لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة؟
إن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى توافق وطني، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى شرعية شعبية. والتوافق يمكن أن يفتح الطريق أمام الانتخابات، أما الانتخابات فهي التي تمنح المؤسسات المنتخبة شرعيتها.
وبالتالي، فإن نجاح الحوار الوطني لا ينبغي أن يقاس بقدرته على إعادة جدولة الانتخابات، وإنما بقدرته على إزالة العقبات أمام إجرائها بصورة حرة ونزيهة وشاملة، وبما يضمن مشاركة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ويعيد بناء النظام السياسي على قاعدة القانون والمؤسسات.
فالانتخابات استحقاق، والحوار وسيلة، والقرار النهائي يجب أن يبقى للشعب الفلسطيني عبر صندوق الاقتراع.



