طولكرم تزخر بالكفاءات.. فهل تتسع طاولة الحوار لأهل الخبرة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
طولكرم تزخر بالكفاءات.. فهل تتسع طاولة الحوار لأهل الخبرة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليس الاعتراض على من حضر، ولا التقليل من قيمة أي شخصية أو مؤسسة شاركت في اللقاءات العامة، وإنما المسألة تتعلق بسؤال مؤسسي ومشروع: هل تتسع دوائر الحوار في محافظة طولكرم لجميع الكفاءات وأصحاب الاختصاص والخبرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس حاضر المحافظة ومستقبلها؟
هذا التساؤل يكتسب أهمية خاصة في ظل ما تشهده طولكرم من تحديات سياسية وميدانية واقتصادية واجتماعية وإنسانية متشابكة، وفي ضوء اللقاء الأخير الذي جمع نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ مع مؤسسات وفعاليات محافظة طولكرم، والذي تناول جملة من القضايا الوطنية والميدانية والاقتصادية والاجتماعية وأوضاع المخيمات والتحديات التي تواجه المحافظة.
وبقدر أهمية هذه اللقاءات، فإن ملاحظة غياب عدد من أصحاب الاختصاص والكفاءات عن مثل هذه الاجتماعات، وعن لقاءات ونقاشات عامة أخرى، تطرح تساؤلًا مشروعًا حول آليات اختيار المشاركين ومعايير تحديد الأسماء والحضور.
فطولكرم ليست محافظة عادية من حيث تركيبتها العلمية والثقافية والسياسية والاجتماعية. فهي تزخر بالأكاديميين والقانونيين والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمثقفين والإعلاميين والباحثين ورجال الأعمال وأصحاب الخبرات المهنية، إلى جانب الشخصيات السياسية والاجتماعية والوطنية التي راكمت خبرات طويلة في العمل العام.
ومن الطبيعي، في ظل هذا التنوع، أن يثار السؤال: هل تمثل قائمة المشاركين في كل لقاء بالضرورة كل الخبرات ذات الصلة بالموضوع المطروح؟ وهل توجد معايير واضحة ومعلنة، أو آلية مؤسسية، لاختيار من تتم دعوتهم إلى مثل هذه اللقاءات؟
والسؤال هنا ليس اتهامًا لأحد، ولا افتراضًا بوجود تعمد في إقصاء أي جهة أو شخصية، وإنما هو دعوة إلى مراجعة آليات المشاركة بما ينسجم مع أهمية القضايا المطروحة.
فطولكرم تواجه ملفات شديدة التعقيد، من بينها قضايا الأرض والاستيطان والإجراءات المتعلقة بالمناطق الزراعية والمنشآت، والإخطارات المتعلقة بالمنازل والمنشآت الاقتصادية، والملفات التي تثار بشأن تصنيف بعض المواقع كمناطق أثرية، إلى جانب أوضاع المخيمات وما ترتب عليها من أضرار ونزوح ومعاناة إنسانية، فضلًا عن البطالة والركود الاقتصادي وإغلاق عدد من المحال والمنشآت، وغيرها من التحديات التي تحتاج إلى قراءة قانونية واقتصادية وهندسية واجتماعية وسياسية متكاملة.
وفي ظل هذه الملفات، يصبح حضور صاحب الاختصاص إضافة حقيقية إلى النقاش، لأن القضية القانونية تحتاج إلى قانونيين، والملف الاقتصادي يحتاج إلى اقتصاديين ورجال أعمال، وقضايا الأرض والزراعة تحتاج إلى مهندسين وخبراء زراعيين، والملفات الاجتماعية والإنسانية تحتاج إلى متخصصين قادرين على قراءة آثارها على المجتمع.
ومن هنا يمكن الانتقال من التساؤل إلى الحلول العملية.
أول هذه الحلول إعداد قاعدة بيانات شاملة للكفاءات وأصحاب الاختصاص في محافظة طولكرم، تضم مختلف القطاعات المهنية والعلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث تكون مرجعًا عند تنظيم اللقاءات المتخصصة.
وثانيها اعتماد معايير واضحة لاختيار المشاركين، بحيث يرتبط الحضور بطبيعة الموضوع المطروح، إلى جانب التمثيل المؤسسي والمجتمعي، دون أن يكون الموقع الرسمي أو التمثيل التنظيمي هو المعيار الوحيد.
وثالثها التفكير في إنشاء هيئة تشاور أو مجلس استشاري مجتمعي يضم مجموعة من أصحاب الخبرة في المجالات المختلفة، تكون مهمته تقديم الرأي والمشورة والدراسات بشأن القضايا الاستراتيجية التي تواجه المحافظة.
كما يمكن تنظيم لقاءات قطاعية متخصصة إلى جانب اللقاءات العامة، بحيث تعقد لقاءات للملفات الاقتصادية، وأخرى للأرض والاستيطان، وأخرى للملفات القانونية، وأخرى للشأن الاجتماعي والإنساني، وغيرها بحسب طبيعة القضية.
ومن المهم كذلك إيجاد آلية تضمن وصول توصيات هذه اللقاءات إلى الجهات صاحبة القرار، ومتابعة ما يمكن تنفيذه منها، حتى لا تبقى المشاركة مجرد نقاش عابر ينتهي بانتهاء الاجتماع.
كما أن توسيع دائرة الحوار أمام الكفاءات المستقلة التي لا تشغل مواقع رسمية أو تنظيمية يمثل قيمة مضافة، لأن الخبرة والمعرفة لا ترتبط بالضرورة بمنصب أو موقع، وقد يمتلك أحد المختصين معرفة تراكمية وتجربة ميدانية يمكن أن تثري أي نقاش.
وليس المطلوب، بالطبع، أن يحضر الجميع في كل اجتماع؛ فهذا غير عملي. المطلوب هو وجود آلية مرنة وعادلة وشفافة تضمن أن تكون طبيعة الموضوع هي التي تحدد الحاجة إلى أصحاب الاختصاص والخبرة.
إن توسيع المشاركة لا ينتقص من دور المؤسسات، ولا من قيمة الشخصيات التي تشارك في الاجتماعات، بل يمكن أن يعزز الحوار ويحصّن القرارات بالمعلومة والخبرة ويمنح صانع القرار صورة أكثر تكاملًا عن الواقع.
وفي محافظة بحجم وتاريخ ومكانة طولكرم، وفي ظل التحديات التي تواجهها، فإن الاستفادة من طاقاتها البشرية ليست ترفًا، وإنما ضرورة وطنية وتنموية.
ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش بعيدًا عن الأشخاص والأسماء: هل لدينا آلية مؤسسية تضمن أن تصل أصوات أصحاب الخبرة والاختصاص إلى طاولة الحوار عندما تُناقش قضايا طولكرم ومستقبلها؟
فالمسألة في جوهرها ليست: من حضر ومن غاب؟ وإنما: كيف نضمن أن تكون صورة طولكرم بكل مكوناتها وتحدياتها وكفاءاتها حاضرة عندما تُبحث قضاياها؟
وتلك مسؤولية جماعية، لأن طولكرم تحتاج إلى جميع أبنائها وكفاءاتها، وإلى حوار واسع يجمع الخبرة بالميدان، والمؤسسة بالمجتمع، والرأي المتخصص بصانع القرار، خدمةً للمصلحة العامة وتعزيزًا لقدرة المحافظة على مواجهة تحدياتها وصون مستقبلها.



