فعاليات طولكرم بين التمثيل المجتمعي وتوسيع دائرة الشراكة الوطنية
قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في مفهوم «الفعاليات» ودورها في صناعة القرار المحلي
فعاليات طولكرم بين التمثيل المجتمعي وتوسيع دائرة الشراكة الوطنية
قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في مفهوم «الفعاليات» ودورها في صناعة القرار المحلي
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
أثار اللقاء الذي عُقد في رام الله يوم السبت 26 أيلول/سبتمبر 2026، بين نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ ووفد موسع من مؤسسات وفعاليات ورؤساء البلديات والمجالس المحلية في محافظة طولكرم، اهتماماً واسعاً، بالنظر إلى أهمية القضايا التي تواجه المحافظة، وفي مقدمتها الأوضاع الميدانية والسياسية، وتداعيات ما تتعرض له المحافظة ومخيماتها، وأوضاع النازحين، إلى جانب الملفات الاقتصادية والخدماتية وسبل تعزيز الصمود الوطني. وقد أكدت التغطية الرسمية للقاء أن النقاش تناول التحديات السياسية والميدانية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه أبناء المحافظة.
ولا شك أن عقد مثل هذه اللقاءات يمثل قناة مهمة للتواصل بين القيادة والمؤسسات المحلية، خصوصاً في محافظة تواجه ظروفاً استثنائية وتحتاج إلى تكامل الجهد الرسمي والشعبي والمؤسساتي.
لكن أهمية اللقاء تفتح في الوقت ذاته نقاشاً أوسع حول مفهوم «فعاليات المحافظة»: ماذا نعني بهذا المصطلح؟ ومن هي الجهات التي يمكن أن تمثل المجتمع المحلي؟ وهل المطلوب وضع تعريف جامد للفعاليات، أم تطوير المفهوم بصورة تستوعب مختلف الطاقات والكفاءات والمؤسسات العاملة في المحافظة؟
الفعاليات ليست إطاراً واحداً
من المهم أولاً التأكيد أن وصف مجموعة من المؤسسات والشخصيات بأنها «فعاليات المحافظة» لا يعني بالضرورة أنها تمثل وحدها جميع أبناء المحافظة، كما أن عدم حضور جهة أو شخصية في لقاء معين لا يعني بالضرورة إقصاءها أو التقليل من دورها.
فالمجتمع المحلي بطبيعته متعدد ومتنوع؛ فيه المؤسسات الرسمية، والبلديات والمجالس المحلية، والغرف التجارية، والنقابات والاتحادات، والمؤسسات الأهلية، والفصائل والقوى السياسية، والجامعات والمدارس، والقطاع الخاص، والهيئات الدينية والثقافية، والشخصيات الاعتبارية، إلى جانب المبادرات الشبابية والنسوية والتطوعية والمهنية.
ومن ثم، فإن مفهوم «الفعاليات» يمكن النظر إليه باعتباره مظلة واسعة للشراكة المجتمعية، وليس قائمة مغلقة أو صيغة ثابتة.
من التمثيل إلى الشراكة
المرحلة الحالية تفرض على المؤسسات الرسمية تطوير أدوات التشاور المحلي. فالمطلوب ليس فقط أن تلتقي القيادة مع ممثلي المحافظة، وإنما أن تتحول اللقاءات إلى مسار مؤسسي مستمر لتحديد الأولويات، ونقل احتياجات المواطنين، ومتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين التمثيل الرسمي والتمثيل المجتمعي. رؤساء البلديات والمجالس المحلية، والمؤسسات الرسمية والأهلية، والشخصيات الاعتبارية، يحملون مسؤوليات وأدواراً لا يمكن تجاهلها، وفي المقابل هناك خبرات وطاقات ميدانية ومهنية وشبابية يمكن أن تضيف الكثير إلى عملية التشخيص وصناعة الحلول.
ولا ينبغي أن يكون الأمر على قاعدة الاستبدال، وإنما على قاعدة التكامل وتوسيع دائرة الشراكة.
طولكرم تحتاج إلى منصة تشاور دائمة
خصوصية محافظة طولكرم، في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها، تجعل الحاجة أكبر إلى آلية تشاور دائمة، وليس فقط إلى لقاءات مرتبطة بالأحداث.
ومن الممكن التفكير في إطار تشاوري يضم، بحسب طبيعة الملف، ممثلين عن المؤسسات المحلية والبلديات والمجالس القروية والقطاعين الاقتصادي والأهلي والنقابات والجامعات والشباب والمرأة وأصحاب الخبرات والكفاءات.
ولا يعني ذلك إنشاء جسم إداري جديد بالضرورة، وإنما إيجاد آلية مؤسسية للاستماع والتنسيق وتبادل المعلومات ورفع التوصيات ومتابعة النتائج.
ففي الأزمات، لا تكفي البيانات، بل تحتاج المحافظة إلى غرفة تفكير مجتمعية قادرة على تحديد الأولويات: الإغاثة، وإعادة الإعمار، ودعم النازحين، وحماية الاقتصاد المحلي، وتعزيز الخدمات، ودعم التعليم والصحة، والحفاظ على النسيج الاجتماعي.
البعد السياسي والاستراتيجي
من منظور سياسي، فإن توسيع المشاركة المجتمعية يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويمنح القرار المحلي قدرة أكبر على الاستجابة للواقع.
ومن منظور استراتيجي، فإن المحافظات التي تمتلك شبكات مؤسساتية ومجتمعية واسعة تكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، لأن الدولة لا تعمل وحدها، والمجتمع المدني لا يعمل بمعزل عنها، والقطاع الخاص ليس منفصلاً عن المسؤولية الوطنية.
أما من المنظور القانوني، فإن الإدارة الرشيدة تقوم على مبادئ المشاركة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون، مع احترام الاختصاصات المحددة لكل مؤسسة. ولذلك فإن توسيع التشاور لا يعني تجاوز المؤسسات المنتخبة أو الرسمية، بل يمكن أن يكون أداة مساندة لها، ما دام القرار النهائي يصدر عن الجهة صاحبة الاختصاص القانوني.
الرسالة الأهم
إن النقاش حول «فعاليات طولكرم» ينبغي ألا يتحول إلى نقاش حول الأشخاص: من حضر ومن لم يحضر، ومن يمثل ومن لا يمثل. فهذا النوع من النقاش قد يختزل قضية مؤسساتية ومجتمعية واسعة في أسماء وأشخاص.
الأهم هو أن ننتقل إلى سؤال أكثر إيجابية: كيف نجعل كل طاقات طولكرم جزءاً من عملية النهوض والصمود؟
فالفعاليات القائمة لها مكانتها ودورها، والمؤسسات الرسمية والمحلية لها اختصاصاتها ومسؤولياتها، والشخصيات الاعتبارية لها حضورها، وفي الوقت ذاته فإن المحافظة تزخر بالكفاءات والخبرات والمبادرات التي يمكن أن تشكل رافعة إضافية للعمل الوطني والتنموي.
ومن هنا فإن تطوير مفهوم «الفعاليات» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقاصاً من أحد، بل باعتباره دعوة إلى توسيع دائرة الشراكة بما يتناسب مع حجم التحديات.
وطولكرم، بما لها من تاريخ وطني ومجتمعي وعلمي واقتصادي، تستحق نموذجاً متقدماً في المشاركة المحلية؛ نموذجاً يجمع المؤسسة الرسمية بالمجتمع، والخبرة المتراكمة بالطاقات الجديدة، والقرار السياسي بالاحتياجات الميدانية.
إن قوة المحافظة لا تقاس بعدد الحاضرين في اجتماع، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى شراكة، والشراكة إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها المواطن.
وهذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن أن يحملها أي لقاء يجمع القيادة بفعاليات محافظة طولكرم: أن الجميع شركاء في المسؤولية، وأن تعدد الأدوار ليس مصدر ضعف، بل يمكن أن يصبح مصدر قوة عندما يجري تنظيمه ضمن إطار مؤسسي واضح، يحترم الاختصاص، ويستمع إلى المجتمع، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.
طولكرم لا تحتاج إلى إلغاء مفهوم الفعاليات، بل إلى توسيعه؛ ولا تحتاج إلى استبدال أحد بأحد، بل إلى جمع كل الطاقات في إطار شراكة وطنية ومجتمعية واحدة.



