الانتخابات الوطنية بين الثور والنحل!

بكر أبوبكر

أغسطس 22, 2026 - 13:59
الانتخابات الوطنية بين الثور والنحل!

الانتخابات الوطنية بين الثور والنحل!
بكر أبوبكر
من المأمول أن تنعقد الانتخابات الفلسطينية سواء الرئاسية أو التشريعية في إطار إعلان دولة فلسطين المستقلة رغم أنها تحت الاحتلال، بمعنى أنها أداة صراع لتكريس المطالبة بتحرير الدولة القائمة حكمًا ولكنها تحت الاحتلال في سعي مشترك لفضح الإبادة الجماعية التي قامت بها السلطات الإسرائيلية ومازالت في قطاع غزة، وما تقوم به من اعتداءات مرعبة -الى جوار القطاع- في الضفة الفلسطينية.
من المأمول أن تنعقد الانتخابات ولا تعيقها سلطات الاحتلال التي تقودها الفاشية الإسرائيلية اليوم -التي وصلت حد النازية كما أشار عديد المفكرين الإسرائيليين- والتي وصل بها الأمر للمطالبات العلنية بقتل أو طرد الفلسطينيين بلا خشية من المجتمع الدولي ولا مؤسساته الرسمية.
نعم، إن أي فعل يقوم به الفلسطينيون هو فعل نضالي ثوري جهادي بما فيه ثباتهم على الأرض التي وُجدوا فيها منذ فجر التاريخ (منذ 20 ألف عام مع الحضارات الكبارية والناطوفية وبالعصر الحديدي وما تلاه حتى اليوم) وما قام به العرب الفلسطينيون من تعددية أشكال النضال دلالة على صلابة هذا الشعب ومرونته بذات الوقت بما يخدم الهدف البوصلة أي تحرير فلسطين.
إن المأمول تحويل الانتخابات ليس ك"عرس انتخابي" كما المعزوفة المكررة، وإنما الى فعل نضالي يستثير كل العالم ليقف وقفة واحدة مع فلسطين واستقلال دولة فلسطين، وضد كل الاعتداءات الصهيونية اليومية والإبادة الجماعية المتواصلة، والعمل الحثيث ضد الطغمة الحاكمة بالكيان التي تهدد أي انتخابات قد تجرى في فلسطين. لأنها تعلن جهرًا رفضها المطلق لأي فعل قد يؤدي الى استقلال دولة فلسطين أو توحيد الجغرافيا والشعب بين جناحي الدولة.
إن الممكن ضمن عوامل عدة أبرزها الإسرائيلي فقد يتخذ أحد منحيين الأول: ألا يفوز تكتل "نتنياهو" فتصبح الإمكانية لعدم تعطيل الانتخابات واردة، أما إن نجح تكتل أو إمكانية عمل ائتلاف من قبل "نتنياهو" فيصبح الأقرب للتفكير هو منع الانتخابات لما بها من مخاطر على الفكر العنصري الاقصائي الصهيوني المتحالف مع الفاشية الدينية.
إن سارت الأمور على خير ما يرام-وقلما يكون مثل ذلك في فلسطين- فإن عقد الانتخابات سواء في شهر 11/2026 أو إن تأجلت للعام القادم 2027م في ظل رشح الأخبار التي تقول بعدم وجود الغطاء الدولي وخاصة الأمريكي لها، فإننا لا نستطيع القفز هنا عن التحالفات التي بدأت تظهر بين محتلف الفصائل الفلسطينية، ناهيك عن القوائم المبعثرة من جماعات مصلحية أومناطقية أوعشائرية أو كُتَل المهمشين والزعلانين  والمستقلين التي من الواضح بروزها.
وإن كان الأمر لا ينظر له بجدية شديدة اليوم لدى المحللين إلا من زاوية التركيز على التحالفات الجادة التي تتشكل في القاهرة، بينما الإطار المركزي لحركة فتح لم يظهر حتى الآن آلية عمله وطريقة التشكيل والمواصفات المطلوبة، ولم يتبقَ الكثير عن الموعد الرسمي للانتخابات.
إن المأمول هو خوض الانتخابات لتُنتج تجديدًا للنظام السياسي الفلسطيني تحت مظلة الدولة الفلسطينية المستقلة، وبانتقال مريح للسلطة من عقلية الجيل القديم الى الجيل الجديد بأفكاره وآليات عمله ومواجهته ومقاومته وطرق اختراقه للاحتلال الجاثم على صدرونا من 100 عام على الأقل حتى الآن، وفي مواجهة الغربي والأمريكي الذي يراوح ما بين الدعم الجماهيري الكثيف، والتذبذب الحزبي أو الحكومي بين هذا وذاك.
إن المأمول أن تتشكل للانتخابات مظلة عربية قوية وحقيقية سياسيًا واقتصاديًا، وبعقوبات ضد الكيان الصهيوني دبلوماسيًا ونفسيًا وجماهيريًا وثقافيًا وفي إطار المقاطعة الاقتصادية والتقانية (التكنولوجية) بكافة أشكالها، بعيدًا عن فخ اتفاقيات "ترمب -ابراهام" الظالمة والاستتباعية، وإلا فإن تأييد العرب لما يريده "أشقاؤهم" الفلسطينيون يصبح مجرد عبث كلامي.
الممكن سواء عقدت الانتخابات أم لم تعقد هو التفكير الجدي بعقد مؤتمر عام للمراجعة الوطنية الواجبة للدمار الشامل والإبادة الجماعية التي حلّت بالوطن إثر نكبة وبائقة غزة منذ 17/10/2023 (تاريخ مذبحة المعمداني الدموي)، لتكون كل الفصائل وخاصة فصيل الطوفان أمام استحقاق الاعتراف والاعتذار للأمة والشعب عن الكثير الكثير، ولتكون الحركة الوطنية عامة لأول مرة ربما أمام استحقاق المحاسبة والنقد الذاتي الحقيقي، فلا تمر علينا السنون والمِحَن والنوازل والكوارث وكأن شيئًا لم يكن، ولا عزاء للأموات!
الممكن هو التوجه الحقيقي بعد المراجعة والاعتراف والاعتذار الحقيقي للجماهير والبدء بالحوار الوطني الحقيقي الشامل فمن أخطأ يجب أن يقرّ بذلك، ولا ينكر وجود الآخر-على علاته- فلا يناور ولا يداور ولا يتحايل ولا يتكتك بل يتجه نحو التغيير المفاهيمي الحقيقي من فكرة البديل الجاهز! الى فكرة الشريك ومن فكرة التخوين والتقبيح والتشهير الى فكرة التجاور وإلا فإننا نظل ندور كما يفعل ثور الساقية.
إن فكرة إلغاء الآخر أو تعهيره مازالت قائمة في رؤوس كثير من التجمعات أو الفصائل وهي مع إنكارها للكارثة والإبادة الجماعية وبائقة غزة وكأن لا علاقة لها البتة! لن تتجاوز عقم تفكيرها وتنتقل الى الاعتراف إلا إن غيرت عقيدتها الوطنية بمنطق الشراكة وتوزيع أو تقاسم الأدوار (كما حال النحل) في مواجهة العدو الأوحد أي الاحتلال الصهيوني، وبالانفتاح والتواصل الفعال وتقديم أو تغليب المصلحة الوطنية على الفئوية والحزبية المقيتة بل والأنا العليا والاستبداد المستشري لدى هذا القائد الجهبذ المتقوقع على ذاته المتضخمة، أو ذاك القائد الحالم بالأبدية أو القداسة.
قد تؤجل الانتخابات ما هو متوقع نظرًا لوجود عدو يتربص بالعربي الفلسطيني بالوطن وخارجه، وبأمريكي آيل للأفول يدعم الإسرائيلي الفاشي سواء بمنطق مصلحي أو أسطوري توراتي، وبخراب العلاقات العربية الفلسطينية التي لم تنتقل من مرحلة الكلام الى مرحلة الفعل المؤثر حتى الآن رغم غياب شمس الأمريكي، وصعود قوى عظمى اتخذت مقعدها على قمة العالم.
وقد تُعقد الانتخابات سواء في موعدها أو عند تأجيلها ولكن بلا مراجعة جادة وبإرادة تغيير حقيقية، ونقد ذاتي مرير واعتراف وشراكة وحُسن تواصل يفضي الى نظام فكري مفاهيمي مرجعي جديد حاكم بين الجميع فإننا جميعًا نُسهم في السقوط ونخذل فلسطين.