الانتخابات الفلسطينية.. تهيئة الظروف شرط لتجديد الشرعية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 20, 2026 - 18:39
الانتخابات الفلسطينية.. تهيئة الظروف شرط لتجديد الشرعية

الانتخابات الفلسطينية.. تهيئة الظروف شرط لتجديد الشرعية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تدخل الانتخابات الفلسطينية مرحلة مفصلية تستدعي قدراً عالياً من المسؤولية السياسية والقانونية والوطنية، خصوصاً أن المرسوم الرئاسي الصادر في التاسع من تموز/يوليو 2026 حدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل موعداً للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، فيما بدأت لجنة الانتخابات المركزية تنفيذ الجدول الزمني للعملية الانتخابية.
وبعيداً عن الجدل حول الموعد، فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق تثبيت الاستحقاق هو: هل توافرت الظروف السياسية والقانونية والتنظيمية التي تجعل من الانتخابات مدخلاً لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم أنها ستجرى في بيئة ما زالت تعاني من الانقسام والتشرذم وتعطّل الحياة الحزبية والمؤسساتية؟
من هذه الزاوية، فإن تهيئة الظروف الداخلية الملائمة يجب أن تكون أولوية تسبق تحديد الموعد النهائي، لا ذريعة لتعطيل الانتخابات. وإذا تبين أن الظروف القائمة لا تسمح بإجراء انتخابات تحقق الحد الأدنى من التوافق والنزاهة وتكافؤ الفرص، فإن أي تأجيل محتمل ينبغي أن يكون محدوداً بسقف زمني واضح ومقترناً بخطة إصلاحية معلنة، وليس تأجيلاً مفتوحاً يعيد إنتاج أزمة الشرعية.
الانتخابات ليست مجرد موعد
الانتخابات في جوهرها ليست عملية فنية تقتصر على فتح صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، وإنما هي عملية سياسية وقانونية متكاملة، تحتاج إلى بيئة تسمح للناخب بممارسة حقه بحرية، وللقوائم والمرشحين بالتنافس على أساس متكافئ، وللمؤسسات المنتخبة بممارسة صلاحياتها وفق القانون.
وقد قطعت لجنة الانتخابات المركزية خطوات عملية في الإعداد للاستحقاق، وفق أحكام قانون الانتخابات العامة وتعديلاته.  لكن سلامة الإجراءات الفنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان نجاح العملية السياسية؛ إذ إن الانتخابات تحتاج أيضاً إلى توافق وطني على قواعد المنافسة واحترام نتائج الصندوق.
ومن هنا تأتي أهمية معالجة البيئة السياسية الداخلية قبل الوصول إلى يوم الاقتراع.
تفعيل قانون الأحزاب ضرورة وطنية
إن إعادة تنظيم الحياة السياسية الفلسطينية أصبحت حاجة ملحة، ولا يمكن فصلها عن الاستحقاق الانتخابي. ويأتي في مقدمة ذلك تفعيل قانون الأحزاب السياسية، بما يوفر إطاراً قانونياً واضحاً للعمل الحزبي، وينظم تأسيس الأحزاب ومصادر تمويلها ونشاطها وعلاقتها بمؤسسات السلطة الوطنية، ويعزز الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
فالانتقال من حالة الفصائلية التقليدية إلى حياة حزبية مؤسسية لا يعني إلغاء دور الفصائل أو تاريخها الوطني، وإنما يعني تطوير العمل السياسي بما يتلاءم مع متطلبات الدولة والمؤسسات والتعددية الديمقراطية.
والحزب السياسي، في مفهوم الدولة الحديثة، ليس مجرد إطار انتخابي مؤقت، وإنما مؤسسة سياسية تقدم برامج وسياسات وتخضع للمساءلة أمام الناخبين.
ومن هنا، فإن تفعيل قانون الأحزاب ينبغي أن يكون جزءاً من الاستعداد للانتخابات، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد ظهور النتائج.
الشراكة السياسية شرط للنجاح
لا يمكن لأي انتخابات فلسطينية أن تحقق أهدافها الوطنية في ظل غياب الحد الأدنى من الشراكة والتوافق السياسي.
المطلوب هو توفير مساحة متساوية لمختلف القوى والتيارات السياسية، وفتح المجال أمام التعددية، وضمان مشاركة الشباب والمرأة والكفاءات المستقلة، ومنع المال السياسي أو النفوذ التنظيمي من التأثير في إرادة الناخب.
كما أن الشراكة لا تعني الاتفاق على النتائج مسبقاً، وإنما الاتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية: انتخابات حرة ونزيهة، تنافس مشروع، تكافؤ فرص، واحترام نتائج الصندوق.
وهذا هو الفارق بين التوافق الذي يحمي العملية الديمقراطية والتوافق الذي يلغيها.
لماذا الانتخابات الرئاسية والتشريعية معاً؟
من الضروري، في إطار إعادة بناء الشرعية، دراسة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، بدلاً من إعادة إنتاج نموذج الانتخابات المنفصلة الذي شهدته الساحة الفلسطينية سابقاً، حيث جرت الانتخابات الرئاسية في كانون الثاني/يناير 2005، ثم الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير 2006.
إن إجراء الاستحقاقين بصورة متزامنة يمكن أن يوفر فرصة لتجديد الشرعيات السياسية والمؤسساتية في مسار انتخابي واحد، ويمنح المواطن حق اختيار رئيسه وممثليه في المجلس التشريعي في إطار سياسي متكامل.
كما أن ذلك من شأنه أن يحد من الفجوات السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن تنشأ بين استحقاق وآخر، وأن يفتح الباب أمام إعادة تفعيل المجلس التشريعي ودوره الرقابي والتشريعي، وتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون.
إذا حصل التأجيل.. فليكن إصلاحياً
إن تأجيل الانتخابات، إذا أصبح ضرورة تفرضها الظروف، يجب ألا يكون هدفه كسب الوقت أو إطالة أمد الوضع القائم، وإنما استثمار الوقت في إصلاح البيئة السياسية والقانونية والمؤسساتية.
وعليه، ينبغي أن يرتبط أي تأجيل بسقف زمني واضح، وخطة عمل محددة تتضمن تفعيل قانون الأحزاب، وتعزيز الشراكة السياسية، واستكمال التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية، وضمان تكافؤ الفرص، ومعالجة العقبات التي تحول دون مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، بما في ذلك القدس وقطاع غزة.
والأهم أن يكون هناك التزام سياسي واضح بأن تنتهي المرحلة التحضيرية إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، لا إلى تأجيل جديد.
تجديد الشرعية لا إعادة إنتاج الأزمة
إن فلسطين بحاجة إلى أكثر من انتخابات؛ إنها بحاجة إلى إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشرعية الشعبية والتعددية والشراكة وسيادة القانون.
فالانتخابات التي لا تسبقها إصلاحات سياسية وقانونية قد تعيد إنتاج الانقسام، بينما الانتخابات التي تأتي في إطار إصلاحي شامل يمكن أن تشكل نقطة تحول تاريخية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا يتحول النقاش إلى صراع حول المواعيد، بل إلى نقاش حول كيفية ضمان نجاح الاستحقاق. وإذا كانت الظروف الراهنة لا تسمح بذلك، فإن التأجيل المحدود والمبرر قانونياً وسياسياً قد يكون خياراً قابلاً للنقاش، بشرط ألا يتحول إلى تأجيل مفتوح، وأن تكون له غاية محددة تتمثل في تهيئة الظروف المناسبة، وتفعيل قانون الأحزاب، وترسيخ التعددية والشراكة، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن.
إن الشرعية لا تُبنى بالمرسوم وحده، ولا تُستعاد بمجرد تحديد يوم للاقتراع؛ وإنما تُبنى بثقة المواطن، وباحترام إرادته، وبقدرة المؤسسات على تمثيله ومساءلته وممارسة صلاحياتها وفق القانون.
والتحدي الحقيقي أمام النظام السياسي الفلسطيني اليوم هو تحويل الانتخابات من مجرد استحقاق مؤجل أو إجراء دوري إلى مشروع وطني لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات وتوحيد النظام السياسي وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعددية الديمقراطية.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة