العقلية الوقائية

عام حذر أقل ضرراً من لحظة ندم

أغسطس 15, 2026 - 08:38
العقلية الوقائية

العقلية الوقائية

عام حذر أقل ضرراً من لحظة ندم

مقدمة: من قصة ابني آدم إلى قرارات اليوم

قبل أن نصل إلى الحديث في السياسة، كان بيني وبين رفيق درب، في صباح يوم جمعة، الموافق 14 اب 2026، حديث آخر سبق النقاش السياسي.

كنا قد سبقنا غيرنا إلى حصة الرياضة الصباحية، وعلى نبع عين السلطان، بدأنا نتناول تطور العقل البشري، وكيف انتقل الإنسان عبر التاريخ من الاستجابة المباشرة للمثيرات والانفعالات إلى القدرة على التفكير، وضبط السلوك، واستشراف النتائج.

وانطلق حديثنا من قصة ابني آدم عليه السلام، حيث تكشف القصة عن واحدة من أقدم صور الصراع الإنساني: الغيرة حين تتحول إلى فعل.

قال أحدهما للآخر، كما ورد في القرآن الكريم:

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ سورة البقرة

فلم يتعامل الآخر مع العبارة باعتبارها موقفاً يمكن مناقشته، او لم يسأل كيف أكون تقياً ليتقبل الله مني؟ او ماذا فعلت ليتقبل الله منك؟، وإنما استجاب لما أثارته في داخله من غيرة وغضب، وانتهى الأمر إلى قتل أخيه.

كانت المسافة بين الكلمة والفعل قصيرة جداً.

لكن نتائج الفعل كانت أبعد بكثير من لحظة الانفعال.

ثم انتقل حديثنا إلى قصة أخرى، إلى موقف سيدنا موسى عليه السلام مع أخيه هارون عليه السلام، حين عاد موسى غاضباً مما رأى، وأخذ برأس أخيه يجره إليه.

لكن هارون لم يواجه غضب أخيه بغضب مماثل، ولم يحول الموقف إلى صراع جديد، بل خاطبه بمفردات عاطفية تستدعي رابطة الأخوة:

﴿يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ سورة طه وسرة الاعراف

وهنا اظهرت الفرق بين الموقفين.

في قصة ابني آدم، قاد الانفعال صاحبه إلى الفعل. فندم.

وفي موقف هارون، واجه الغضب بالوعي وضبط الاستجابة.

ومن هنا بدا لنا أن تطور العقل البشري ليس فقط في زيادة المعرفة، وإنما في قدرته على أن يضع مسافة بين المثير والاستجابة، وأن ينتقل من الفعل الذي تفرضه اللحظة إلى الفعل الذي تختاره الإرادة.

قلت لرفيق الدرب في نهاية حديثنا:

سأكتب مقالاً بعنوان: عام حذر أفضل من لحظة ندم.

ولم نكن نعرف حينها أن النقاش الذي سيأتي بعد الرياضة سيمنح هذه الفكرة بعداً آخر.

من نبع عين السلطان إلى الوضع الفلسطيني

بعد ذلك، وفي حصة الرياضة الصباحية، واصلنا الحوار مع رفيق اخر حول الوضع الفلسطيني الداخلي، والوضع الإقليمي والعربي، والوضع الدولي، وانعكاسات كل ذلك على القضية الفلسطينية.

كان النقاش هذه المرة سياسياً.

وكان أحد الإخوة يرى ضرورة اتخاذ إجراءات فورية من هذه الدولة أو تلك، كردة فعل على ما يحدث.

لم يكن الاختلاف الحقيقي حول ضرورة الفعل من عدمه، وإنما حول طبيعة الفعل وتوقيته ومنهجه:

هل نستجيب فوراً لما يحدث؟

أم نتوقف لحظة لنسأل:

إلى أين سيقودنا هذا القرار؟

هل نعالج الواقع الحالي، أم نحمي فرص المستقبل؟

هل نريد أن نخفف غضب اللحظة، أم أن نبني قراراً يخدم الاتجاه الذي نريد الوصول إليه؟

وهنا التقت في ذهني القصتان اللتان بدأ بهما حديثنا، والنقاش السياسي الذي جاء بعدهما.

فالمسألة واحدة، وإن اختلفت الظروف:

كيف يستجيب الإنسان للمثير دون أن يصبح أسيراً له؟

كيف نواجه الغضب دون أن نسمح له بأن يتخذ القرار؟

وكيف نحافظ على فرص المستقبل عندما يضغط عليه الواقع الحالي لاتخاذ قرار سريع؟

 

من الاستجابة التلقائية إلى الاستجابة الواعية

هذا هو الموضوع الحقيقي لهذا المقال.

فالاستجابة التلقائية تقول:

حدث شيء → شعرت بشيء → تصرفت.

أما الاستجابة الواعية فتضيف مسافة ضرورية:

حدث شيء → وعي → فهم → تقدير → اختيار → استجابة.

هذه المسافة هي التي تمنح الإنسان فرصة أن يكون صاحب القرار لا مجرد رد فعل على ما يحدث حوله.

والمسألة لا تخص العمل السياسي وحده.

فنحن نمارسها كل يوم في الأسرة، والعمل، والعلاقات، والمال، والتربية، والخلافات، والقرارات المهنية، وفي كل موقف يضعنا أمام خيار بين راحة اللحظة ومصلحة المستقبل.

قد تكون كلمة واحدة كافية لإشعال خلاف.

وقد يكون رد سريع كافياً لخسارة علاقة.

وقد يكون قرار مالي متسرع سبباً لخسارة سنوات من العمل.

وقد يكون موقف سياسي انفعالي سبباً في إغلاق فرصة كان يمكن أن تخدم القضية على المدى الطويل.

لهذا فإن العقلية الوقائية لا تعني أن نتوقف عن الفعل، وإنما أن نتوقف قبل الفعل بما يكفي لكي نفكر.

 

عام حذر أفضل من لحظة ندم

الحذر هنا ليس خوفاً، والتأني ليس جبناً.

إنما هو الاعتراف بأن كلفة التفكير قبل القرار غالباً أقل من كلفة إصلاح القرار بعد وقوعه.

قد يحتاج القرار إلى يوم من التفكير، أو شهراً من الدراسة، أو عاماً من بناء البدائل والاستعداد.

لكن لحظة واحدة من الغضب قد تنتج قراراً يحتاج إلى سنوات من الإصلاح.

ولهذا قلت:

عام حذر أفضل من لحظة ندم.

ثم يمكن تطوير العبارة بصورة أكثر دقة:

عام حذر أقل ضرراً من لحظة ندم.

فالحذر لا يمنع الخطأ تماماً، ولا يستطيع أن يلغي المخاطر من الحياة والسياسة، لكنه يستطيع أن يقلل حجم الأخطاء، ويمنحنا وقتاً لرؤية النتائج، ويحافظ على الخيارات التي نحتاجها للمستقبل.

ومن هنا تبدأ فكرة العقلية الوقائية.

 

العقلية الوقائية ليست الخوف من المستقبل

العقلية الوقائية لا تعني أن نعيش مترددين، أو أن نبحث عن طريق بلا مخاطرة.

إنها تعني أن نسأل قبل القرار:

ماذا يمكن أن يحدث؟

ماذا أخسر إذا فعلت؟

ماذا أخسر إذا لم أفعل؟

هل هناك بديل أقل ضرراً؟

هل يخدم قراري الاتجاه الذي أريد الوصول إليه؟

وهنا تلتقي العقلية الوقائية مع استراتيجية الأقل ندماً.

فحين لا يكون أمامنا خيار مثالي، لا يكون السؤال:

ما القرار الذي لا يحمل أي مخاطرة؟

لأنه قد لا يوجد.  بل:

أي قرار يحافظ على فرص المستقبل، ويقلل الضرر، ويجعلنا أقل ندماً عندما ننظر إليه بعد سنوات؟

 

السياسة ليست استثناءً من هذه القاعدة

في العمل السياسي والوطني، تصبح المسألة أكثر أهمية؛ لأن القرار لا يخص صاحبه وحده.

فالقرار السياسي قد يؤثر في مؤسسة، أو شعب، أو قضية، أو أجيال.

ولهذا يحتاج القائد إلى أن يميز بين الغضب من الواقع والقرار الذي يجب اتخاذه تجاه الواقع.

ليس المطلوب أن نتخلى عن الغضب عندما نرى الظلم، ولا أن نفقد قدرتنا على المبادرة، بل أن نحول الغضب إلى طاقة واعية للفعل لا إلى قرار انفعالي.

فالقائد ليس من لا يغضب، وإنما من يستطيع أن يقول:

أنا غاضب، لكن غضبي لن يقرر مستقبلي.

وهنا تصبح القاعدة:

الاتجاه أهم من الواقع الحالي.

فالواقع الحالي قد يكون مؤلماً وضاغطاً، لكن القرار الذي نتخذه اليوم يجب أن يُقاس أيضاً بما سيفتحه أو يغلقه أمامنا غداً.

 

من قصة الإنسان الأولى إلى منهج حياة وعمل

ربما يكون الدرس الأعمق من هذه الرحلة أن المشكلة ليست في وجود الانفعال، وإنما فيمن يقود القرار عندما يحضر الانفعال.

الغيرة موجودة.

والغضب موجود.

والخوف موجود.

والإحباط موجود.

لكن الإنسان يمتلك قدرة أخرى: الوعي.

والوعي لا يلغي المشاعر، وإنما يمنعها من احتكار القرار.

ومن هنا يمكن أن نرى تطور الإنسان في إحدى صوره المهمة:

مثير → انفعال → استجابة تلقائية

إلى: مثير → وعي → تفكير → اختيار → استجابة واعية.

وهذا هو جوهر العقلية الوقائية.

وهو أيضاً جوهر الانتقال من غضب اللحظة إلى فرص المستقبل.

فالمطلوب ليس أن ننتصر في كل لحظة، وإنما أن نحافظ على قدرتنا على الوصول إلى ما نريد.

ولهذا فإن العقلية الوقائية، واستراتيجية الأقل ندماً، وفلسفة الاتجاه أهم من الواقع الحالي ليست أفكاراً خاصة بالسياسة وحدها.

إنها منهج في الحياة والعمل:

ألا تجعل ما تشعر به الآن يقرر ما ستكون عليه غداً.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل نريد أن نكون أسرى للاستجابة التلقائية، أم سادة لاستجابتنا الواعية؟

فاللحظة عابرة، أما المستقبل فيحتاج إلى من يحميه.

 

خاتمة: مفارقة اليوم

ولعل أجمل ما يمكن أن أختم به هذا المقال هو مفارقة حدثت في اليوم نفسه الذي بدأت فيه هذه الفكرة.

فأحد الذين حضروا اليوم إلى النبع كان مخموراً بكل معنى الكلمة، وكان يريد ممازحتي بسكب الماء البارد عليّ.

قلت له بوضوح:

لا تفعل.

لكنه فعل، وسكب الماء على ساقي.

في اللحظة نفسها حضر رفيق الدرب، وحذره. رأيت الشرر يخرج من عينيه، وكان يمكن للحظة أن تنتقل من مزحة ثقيلة إلى مشادة، وربما إلى ما هو أكبر.

لكنني أبعدته، وضبطنا استجابتنا.

كان الرجل مخموراً، وكان تهوره هو الذي صنع الموقف، لكننا لم نسمح لتهوره أن يحدد استجابتنا.

ثم جاء من أخذ الرجل بعيداً عن المكان، وانتهى الموقف.

أما نحن، فعدنا إلى ما جئنا من أجله:

استمررنا في الرياضة، وتنزهنا، وعشنا لحظتنا، وعومنا في الماء البارد، ونحن سعداء.

وهنا كانت المفارقة التي تؤكد فكرة المقال كلها:

كان بإمكان لحظة غضب أن تسرق منا يوماً جميلاً.

لكننا اخترنا ألا نعطيها هذه القوة.

لم نغير الرجل المخمور، ولم نستطع أن نغير تهوره، لكننا استطعنا أن نغير استجابتنا له.

وهذا هو جوهر ما كنت أفكر فيه منذ بدأنا حديثنا عن ابني آدم، ثم هارون وموسى عليهما السلام، ثم انتقلنا إلى الوضع الفلسطيني والقرار السياسي، ثم إلى هذا الموقف البسيط على النبع.

في كل هذه الحالات يظهر السؤال نفسه:

ماذا نفعل عندما يضغط علينا الموقف لنستجيب فوراً؟

هل نترك للمثير أن يحدد سلوكنا؟

أم نمتلك لحظة من الوعي تجعلنا نختار استجابتنا؟

لقد كان بإمكاننا أن نسمح للغضب أن يقودنا، لكننا اخترنا أن نقوده.

وبذلك لم نخسر يومنا بسبب لحظة عابرة.

وربما هنا يتضح المعنى الحقيقي لعبارة:

عام حذر أقل ضرراً من لحظة ندم.

فالحذر ليس أن تعيش خائفاً من كل موقف، وإنما أن تعرف أن بعض اللحظات لا تستحق أن تدفع من مستقبلك أو سلامك أو علاقاتك ثمناً لها.

وفي السياسة كما في الحياة، لا نستطيع دائماً أن نختار ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نستجيب له.

وهنا يبدأ الفرق بين:

الاستجابة التلقائية والاستجابة الواعية.

وقد يكون أعظم انتصار أحياناً ألا تدخل المعركة أصلاً، وأن تترك اللحظة تمر، ثم تكمل طريقك.

وهذا ما فعلناه.

ماء بارد، ورياضة، ونزهة، وعوم... وسعادة.

بينما مرت لحظة الغضب وانتهت.

فالمستقبل يستحق أن نحميه من غضب اللحظة.