سناء فريج تحوّل "الشمع" إلى تحفٍ للإنارة والزينة
إعداد: جنى دروبي
سناء فريج تحوّل "الشمع" إلى تحفٍ للإنارة والزينة
في يومٍ صيفي من أيام آب/ أغسطس، جلست السيدة سناء فريج خلف مكتب خشبي ممتلئ بقوالب الشموع والألوان وأدوات الطباعة التي تستخدمها في صناعة قطعها الفنية داخل "كرفانها" الصغير، الذي أصبح عالمها الخاص حيث يلتقي فيه الفن مع الشغف، رغم بساطته. وبينما تسجل سناء طلبات الزبائن بحرص، يتصاعد البخار من كوب قهوتها، تحتسيه ببطء بين لحظة وأخرى.
بعد أن أنهت سناء تسجيل الطلبات، أغلقت دفترها الوردي الذي امتلأ بتفاصيل الزبائن وأذواقهم المتنوعة، ثم اتجهت نحو نافذة "الكرفان" الصغيرة، لتتأمل غروب الشمس وهي تلوّن السماء بدرجاتٍ ذهبيةٍ دافئة، وبينما كانت تستمع إلى برنامج صوتي "شغف" الذي يحكي قصة نجاح ملهمة، غمرت موجات الحنين قلبها، وعادت بذاكرتها إلى الليالي الأولى التي قضتها في صنع الشموع في إحدى زوايا منزلها القديم
سناء فريج (37 عامًا)، أم لطفلين من مدينة طولكرم، نجحت في كسر الصورة التقليدية للشموع، حيث حولت قوالب الشمع الصماء إلى قطع فنية ناطقة تنشر السعادة لكل من يقتنيها. تقول لـ(تلفزيون كل الناس) "منذ طفولتي أسعى للتمّيز، وأحلم أن أكون ريادية عندما أكبر. وبالفعل، عندما كبرت ورغم عملي في تخصصي الجامعي في العلوم المالية والمصرفية، لم أتوقف عن البحث عن فكرة مشروع فريدة غير مشبعة في السوق. صدفةً شاهدت فيديو لامرأة يابانية تطبع صورًا على الشموع، فألهمتني الفكرة، ومن هنا بدأت رحلتي. أحضرت مواد خام بسيطة بمبلغ لم يتجاوز 200 شيكل، واستخدمت علب "شيبس البرنجلز" قوالبًا لشكلها الأسطواني وقوة كرتونها. طبعت صورًا لأقاربي وأسمائهم على الشموع وطلبت ملاحظاتهم لتطوير المنتج. استغرقت المرحلة التجريبية ثلاثة أشهر، ولاكتساب مزيد من الخبرة تواصلت مع صديقتي المغتربة في النرويج، وتعلمت منها كثيرًا في صناعة شمع الإنارة والزينة والتحف والهدايا بأنواعها، وواصلت الاطلاع على صفحات إلكترونية ومراجع علمية حتى أطلقت علامتي التجارية "تحفة" ".
تعود سناء لتجلس خلف مكتبها، تتناول قالب شمع جديدًا، وتشرع بإذابة الشمع على نار هادئة، تتابع "بدأت بصناعة شمع البارفين لأنّه الأقل سعرًا في السوق، ثم انتقلت إلى شمع الصويا كونه طبيعياً ولا يؤثر احتراقه على تنفس الإنسان. لاحقًا، عملت على شمع الجل المميّز بمدة احتراقه الأطول مقارنة بالشموع التقليدية، ورائحته العطرية المستمرة طوال فترة الاحتراق، بحثت عن الشركة الأم المصنعة له وتواصلت معها، واتفقت على تزويدي بالمواد الخام من شمع، وورد، وزجاج، وفتائل، وعطور حتى أتمكن من تصنيع شموع الإنارة بجميع أنواعها وأشكالها".
تضيف فريج بضع قطرات من زيت عطري برائحة الياسمين إلى الشمع الذائب، وتواصل حديثها "بفضل هذه الجهود، تمكنت من تصدير شمع الجل ثلاث مرات إلى ألمانيا بالتعاون مع أحد التجار الفلسطينيين. ورغم سعره الباهظ إلا أنّه يضفي جمالاً على المنتج، ما يدفع الزبائن لشرائه دون تردد". تعتبر هذه التجربة نقلة نوعية بالنسبة لسناء، كونها أول ريادية تعمل في شمع الجل في فلسطين.
تصب سناء الشمع ببطء في قطعة خشبية محفور عليها اسم "المسجد الأقصى"، ثم تعدل الفتيل ليكون في منتصفها، وتنثر بتلات الورود المجففة برفق، وتقول "اتبعت خطة تسويقية مدروسة، حيث بدأت بنشر ثقافة الورود وإشباع السوق بها، ثم انتقلت إلى إدخال الخشب "CNC"، حيث أطلقت خطًّا جديدًا يكرّم المدن الفلسطينية من خلال حفر معالمها البارزة على الخشب، وأضفت لمسة مميّزة بوضعها داخل الشموع المعطرة برائحة الياسمين، التي أثرت في قلوب المغتربين تحديدًا، ولامست مشاعرهم".
وبينما تنتظر سناء أن تجف الشمعة تمامًا، تبدأ البحث عن فكرة تصميم "لوجو" جديد لأحد الزبائن، قائلةً "أحرص دائمًا على التنوع والتجديد في المنتجات؛ لتتناسب مع مختلف الفئات، وتخدم جميع المناسبات مثل "اللوجوهات" وأسماء الأعراس وغيرها. فلا أقتصر أبدًا على تكرار أي قطعة، حيث أعمل وفقًا لأفكاري وإحساسي، وليس من خلال كتالوجات أو قوالب محددة. حاليًا أعمل على صناعة مجموعات خاصة بالمكاتب، وصناعة الشموع داخل الأواني الزجاجية المضيئة، مضفيةً جمالية وراحة نفسية، إضافة لإدخال خط شمع النحل والتوزيعات".
تفتح سناء برنامج التصميم على الحاسوب، وتجرب الأشكال الهندسية لتكوين الهيكل الأولي للتصميم، ناقلةً عينيها بين الألوان، باحثةً عن الأنسب لتمثيل هوية الزبون، وتقول "أنتج كميات حسب طلب الزبائن وحاجة السوق الكرمي، أو بناءً على الطلبات التي أتلقاها عبر التسوق الإلكتروني، وعادةً أستغرق ساعة على الأقل في إنتاج كل قطعة فنيّة. ورغم التكلفة العالية للمواد التي أستخدمها وأستوردها من شركات أوروبية مع تحمل صعوبات الشحن والتواصل والانتظار، إلّا أنّني سعيدة بما أقدمه في مجال الشموع". لم يكن الهدف الأساسي لفريج تحقيق الربح المادي بقدر اهتمامها بنشر الثقافة المرتبطة بهذا الفن.
بحسب وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني، حققت منتجات سناء توسعًا ملحوظًا لتشمل أكثر من 10 أصناف مميّزة، منها الورد الجوري، سنا، فواحتي، عتيق، تركواز، ديزني، ممّا يعكس تنوعًا وإبداعًا في تقديم منتجاتها التي تلبي احتياجات السوق الفلسطيني.
بينما تتابع سناء عملها على التصميم، دخلا طفلاها مصطفى وسارة إلى "الكرفان"، يحملان وجبة طعام لها، اقترب مصطفى قائلًا بابتسامة "عليكِ أخذ استراحة يا أمي"، رفعت سناء عينيها من شاشة الحاسوب مبتسمة، ثم احتضنتهما، وتقول لـ(تلفزيون كل الناس) "أجد القوة مع أطفالي، فقد تحديت الصعاب بعد انفصالي عن زوجي، ربَّيتهم بمفردي، وحرصت أن أكون قدوة لهم في كل خطوة. اليوم، أصبحوا جزءًا أساسيًا من مشروعي، يشاركونني في العمل والتصوير والبيع، وحتى الترويج للمنتجات. ومن خلال التجربة المشتركة، تمكنوا من تطوير شخصيات قوية وواعية، وأصبحوا يتعاملون مع الحياة بثقة، مدركين أنّ الطريق ليس سهلًا دائمًا، لكن بالإرادة والصبر يمكننا تجاوز كل شيء".
عقب انتهاء سناء وطفليها من تناول الطعام، شرعوا في تغليف الشموع، ووضع طابع علامتها التجارية "تحفة" على الصناديق. التقطت سناء صورة لهما ونشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ترويجًا لمنتجاتها، ثم تلتفت قائلةً "شاركت مع مؤسسة الثقافة هوية وصمود في مسابقة أفضل المشاريع الريادية في فلسطين، وبعد أن تلقيت التدريبات معهم، تأهلت للمناقشة النهائية من بين 120 مشروعًا، وكنت من بين العشرة الفائزين، وحصلت على مبلغ مالي لتطوير المشروع، وطلبت توفير "كرفان" للعمل فيه".
متأملةً صورة معلقة على الجدار، تجمعها مع مجموعة من المتدربين، تسترجع أم مصطفى ذكريات عام 2023 المليئة بالفرح والإنجاز، وتقول "أطلقت أول تحد في فلسطين لتصميم الأزياء بالتعاون مع المدربة الدولية في تصميم الأزياء، نظمية الدنا. يجمع التحدي بين خبرتي في ريادة الأعمال والمشاريع وخبرتها في تصميم الأزياء، ليشكل برنامجًا تدريبيًا مكثفًا يضم أكثر من 16 دورة متنوعة، تركز على تعليم المشاركات مهارات رسم وتصميم الملابس، إضافةً إلى تعزيز قدراتهن في إدارة المشاريع مثل التخطيط المالي، والتصوير، والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبناء العلاقات العامة مع العملاء. كما يتيح فرصة للحصول على شهادة دولية معتمدة، إضافةً إلى إمكانية المشاركة في أسبوع الموضة الدولي؛ لعرض تصاميمهن إذا اجتزن تقييم مشروع التخرج بنجاح". وفقًا لرئيس جامعة بيرزيت الدكتور طلال شهوان، فازت سناء فريج بمنحة "كير" بالتعاون مع ملتقى إدارة الأعمال وجامعة بيرزيت. ووفق الدكتور محمد صويص، قدمت سناء محاضرات لطلاب إدارة المشاريع الصغيرة في جامعة فلسطين التقنية خضوري، حيث شاركتهم تجربتها، وحفزتهم على الابتكار والريادة.
تدخل وفاء إلى سناء حاملة كوبين من العصير، تجلسان أمام المروحة، وتتبادلان الحديث عن خطط المستقبل وطموحاتهما، حيث تملؤهما الحماسة والتفاؤل.
وفاء فريج، شقيقة سناء، تحمل شهادة في إدارة الأعمال. تقول" تكبرني سناء بـثلاثة عشر عامًا، وكانت بمثابة أمي الثانية؛ فقد تولت رعايتي ووجهتني منذ طفولتي. نشأت أراها مثلي الأعلى، وأسعى دائمًا للوصول إلى مستواها. أشعر بسعادة كلما رأيتها تحقق مزيدًا من النجاحات وتفتح آفاقًا جديدة في حياتها، حتى أصبحت شخصية معروفة في المجتمع الفلسطيني".
وتتابع "كنت شاهدة على التحديات الكبيرة التي واجهتها سناء خلال السنوات الثلاث الأولى من مشروع الشموع، لكنها لم تستسلم. والآن، تسعى لإطلاق شركة (BS PLUS) لإدارة صفحات وسائل التواصل الاجتماعي على مستوى دولي.
وبعد يوم طويل من العمل والتخطيط، تطفئ سناء أنوار الكرفان، متجهة إلى الراحة، استعدادًا ليوم جديد. وتختتم حديثها لـ(تلفزيون كل الناس) بالقول "على كل أنثى أن تتمسك بشهادتها الجامعية كسلاح لها، وأن تسعى دائمًا للاستقلالية المهنية والمادية، وتطوير طموحاتها مهما واجهت ظروف قاسية، فالمستقبل سيفتح أبوابه، وكما قيل (على قدر أهل العزم تأتي العزائم)".
إعداد: جنى دروبي



