العقل الذي لا يختبر أفكاره في الواقع يبقى أسير افتراضاته
محمد قاروط أبو رحمه
العقل الذي لا يختبر أفكاره في الواقع يبقى أسير افتراضاته
محمد قاروط أبو رحمه
يحسب لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بناء منهج العمل أولا ثم التحليل، ويحسب لها قدرتها على احتضان المبادرات، بل تشجيعها للمبادرات ضمن الاتجاه العام التي تتطلبه كل مرحلة.
لذلك لم تكن قيمة أي فكرة في حركة فتح تقاس بجمال صياغتها، ولا في قوة الدفاع عنها، بل في قدرتها على الصمود عندما تلامس الواقع.
ومبكرا تعلمنا ان العقل لا ينضج بكثرة ما يملك من أفكار، وإنما بقدرته على العمل بها ومراجعتها وتحويلها من تصورات ذهنية إلى معرفة قابلة للتطبيق والتعميم.
كثير من الأفكار تولد في بيئة محددة، وفي ظروف معينة، وقد تكون صحيحة في سياقها الأول، لكنها تفقد صلاحيتها عندما تتغير الظروف. والمشكلة لا تكمن في امتلاك فكرة تحتاج إلى مراجعة، بل في تحويلها إلى حقيقة مغلقة لا تقبل الاختبار. فالعقل الذي يرفض مواجهة الواقع يحمي افتراضاته، لكنه في الوقت نفسه يحرم نفسه من فرصة التطور.
الواقع هو المختبر الأكبر للأفكار. فيه تظهر الفجوة بين ما نعتقد أنه صحيح وما يثبت أنه نافع. فالخطة التي لا تُختبر في الميدان تبقى احتمالًا، والمنهج الذي لا يخضع للتجربة يبقى تصورًا، والمعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة تبقى معلومات غير مكتملة.
إن اختبار الأفكار لا يعني التخلي عنها عند أول تحدٍّ، بل يعني إخضاعها للحوار مع الواقع: ما الذي نجح؟ وما الذي فشل؟ وما الذي يحتاج إلى تعديل؟ فالعقل المتعلم لا يرى المراجعة ضعفا، بل يراها علامة قوة ونضج؛ لأن الإنسان لا يتطور عندما يثبت أنه كان محقا دائما، بل عندما يمتلك الشجاعة ليكتشف أين كان يحتاج إلى التعلم.
لقد تقدمت المجتمعات التي جعلت من التجربة مصدرًا للتعلم، ومن الخطأ فرصة للتصحيح، ومن النقد أداة للتحسين. فالتطور ليس انتقالًا من فكرة إلى أخرى فقط، بل هو دورة مستمرة: فكرة، ثم تجربة، ثم تحليل، ثم تعديل، ثم ممارسة أكثر نضجًا.
ولهذا فإن الفرق بين العقل المغلق والعقل المتطور ليس في عدد الأفكار التي يحملها كل منهما، بل في العلاقة التي يقيمها مع أفكاره. العقل المغلق يمتلك أفكاره، أما العقل المتعلم فيختبر أفكاره. الأول يبحث عما يؤكد قناعاته، والثاني يبحث عما يقربه من الحقيقة.
في زمن الوفرة المعرفية والذكاء الاصطناعي، لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومات، بل في امتلاك القدرة على تقييمها، واختبارها، وتحويلها إلى معرفة نافعة. فالمستقبل لا تصنعه العقول التي تجمع أكبر قدر من الأفكار، بل العقول التي تعرف كيف تضع أفكارها أمام الواقع، وتتعلم من نتائجها، وتعيد بناءها باستمرار.
فالفكرة التي لا تدخل ميدان التجربة تبقى احتمالًا، والعقل الذي لا يختبر أفكاره يبقى أسيرا لافتراضاته. أما العقل الناضج فهو الذي يجعل من الواقع شريكا في التفكير، ومن التجربة طريقا إلى الحكمة.
نستطيع أن نكتب عشرات الصفحات عن أسباب انسداد المجاري، وأن نحلل العوامل التي أدت إلى المشكلة، لكن قيمة المعرفة تظهر عندما تتحول إلى فعل؛ فالذي ينزل إلى الميدان وينظف المجاري هو الذي يعيدها إلى وظيفتها ويجعلها صالحة للاستخدام. فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل تبقى وصفا للمشكلة، أما المعرفة التي تختبر في الواقع فتصبح قدرة على التغيير.



