الاقتصاد الفلسطيني بين الشعارات والواقع... هل آن أوان المراجعة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الاقتصاد الفلسطيني بين الشعارات والواقع... هل آن أوان المراجعة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني يقتصر على مؤشرات النمو أو نسب البطالة والعجز المالي، بل أصبح حديثًا عن قضية سيادية ووطنية تمس جوهر المشروع الفلسطيني. فالاقتصاد، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، لم يعد مجرد نشاط إنتاجي أو تجاري، وإنما تحول إلى أحد أهم ميادين الصراع، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية وسيلةً للضغط السياسي وإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم أهداف الاحتلال.
ورغم تكرار الحديث الرسمي عن التنمية المستدامة، ودعم المنتج الوطني، والانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن الواقع يكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، وبين الطموحات والإمكانات، في ظل استمرار الاحتلال، والانقسام الداخلي، والأزمات المالية المتراكمة، وغياب رؤية اقتصادية وطنية متكاملة.
لقد أفرزت السنوات الأخيرة واقعًا اقتصاديًا بالغ التعقيد، تفاقم بصورة غير مسبوقة بعد الحرب على قطاع غزة، وما تبعها من تشديد الاحتلال لإجراءاته في الضفة الغربية، واحتجاز أموال المقاصة، وتقييد حركة العمال والبضائع، الأمر الذي أدى إلى انكماش اقتصادي حاد، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتراجع الاستثمارات، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني.
ولا تزال اتفاقية باريس الاقتصادية، التي كان يفترض أن تكون ترتيبًا انتقاليًا، تشكل الإطار الناظم للعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، لكنها عمليًا كرست التبعية الاقتصادية، وربطت السياسة الجمركية والتجارية والمالية الفلسطينية بالاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي جعل الاقتصاد الفلسطيني رهينة للقرارات الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بأموال المقاصة أو حركة التجارة والمعابر أو العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل.
وفي هذا السياق، تبدو الدعوات إلى الانفكاك الاقتصادي مطلبًا وطنيًا مشروعًا، لكنها تصطدم بواقع اقتصادي شديد التعقيد، إذ ما زالت إسرائيل الشريك التجاري الأكبر لفلسطين، وما زالت معظم الواردات والصادرات تمر عبر الموانئ والمعابر التي يسيطر عليها الاحتلال، في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية الفلسطينية، واعتماد الأسواق المحلية على السلع المستوردة، وغياب البدائل الكافية.
أما شعار دعم المنتج الوطني، فهو لا يمكن أن ينجح عبر الحملات الإعلامية أو الشعارات الموسمية، بل يحتاج إلى سياسات اقتصادية متكاملة توفر الحماية للمنتج الفلسطيني، وتخفض كلفة الإنتاج، وتيسر الوصول إلى التمويل، وتفتح الأسواق العربية والدولية أمام الصناعات الفلسطينية، إلى جانب تعزيز ثقافة الاستهلاك الوطني باعتبارها جزءًا من الصمود الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في اقتصاد يفتقر إلى السيطرة على موارده الطبيعية وحدوده ومجاله الجوي ومياهه الإقليمية. فلا تنمية حقيقية دون سيادة على الموارد، ولا استثمار مستدامًا في ظل بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة، ولا اقتصادًا قادرًا على النمو في ظل القيود المفروضة على الحركة والاستيراد والتصدير.
وتبقى العدالة الاجتماعية الحلقة الأضعف في المشهد الاقتصادي الفلسطيني، إذ أدت الأزمات المالية المتكررة، وعدم انتظام صرف الرواتب، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع نسب البطالة، إلى تآكل الطبقة الوسطى واتساع الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، بينما يواجه الشباب تحديات متزايدة في الحصول على فرص العمل، الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى الهجرة أو البحث عن فرص خارج الوطن.
إن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية ليست مجرد أزمة موارد، بل هي أيضًا أزمة إدارة وسياسات. فالتحديات التي يفرضها الاحتلال لا تعفي من ضرورة إصلاح الإدارة المالية، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومحاربة الفساد، وإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، باعتبارها الركائز الأساسية لأي اقتصاد قادر على الصمود.
لقد أكد ابن خلدون في مقدمته أن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، وهي مقولة تنطبق بصورة جلية على واقع الاقتصاد الفلسطيني الذي يتعرض لظلم الاحتلال من جهة، ويعاني من اختلالات داخلية من جهة أخرى. كما يقول الاقتصادي الألماني فريدريش ليست: "إن ثروة الأمم لا تُقاس بما تستهلكه، بل بما تنتجه." وهي حقيقة ينبغي أن تكون منطلقًا لأي استراتيجية اقتصادية فلسطينية مستقبلية.
إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، وإنما الانتقال إلى مرحلة بناء اقتصاد وطني مقاوم، يقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق الأمن الغذائي، وتنويع الشراكات الاقتصادية العربية والدولية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار في رأس المال البشري، والعمل الجاد لتقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل بصورة تدريجية ومدروسة.
فالاقتصاد الفلسطيني يقف اليوم أمام مفترق طرق؛ إما الاستمرار في إدارة الأزمات بسياسات رد الفعل، أو الانتقال إلى رؤية استراتيجية شاملة تجعل من الاقتصاد أحد أدوات تعزيز الصمود الوطني وترسيخ مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة. فالدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، والإدارة الرشيدة، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، ليصبح الاقتصاد الفلسطيني ركيزة أساسية في معركة الحرية والاستقلال، لا مجرد ضحية لتقلبات السياسة وقيود الاحتلال.



