التعبئة والتنظيم في حركة «فتح».. متطلبات النهوض واستعادة دور حركة التحرر الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
التعبئة والتنظيم في حركة «فتح».. متطلبات النهوض واستعادة دور حركة التحرر الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكل الاجتماع الأول لعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» ومفوض عام هيئة التعبئة والتنظيم اللواء توفيق الطيراوي مع قيادة وكوادر المفوضية، محطة مهمة في مسار العمل التنظيمي، لما تحمله هيئة التعبئة والتنظيم من دور محوري في بناء الحركة وتطوير أدائها وتعزيز حضورها الوطني.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في ظل التحديات السياسية والوطنية التي تواجه القضية الفلسطينية، وما تتطلبه من إعادة تقييم للأداء التنظيمي، وتعزيز دور المؤسسات، وتفعيل الطاقات الكامنة داخل الحركة، بما ينسجم مع طبيعتها التاريخية باعتبارها حركة تحرر وطني قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود.
إن مفهوم التعبئة والتنظيم في حركات التحرر الوطني لا يقتصر على إدارة الشؤون الداخلية أو تنظيم الأطر، بل يمثل عملية استراتيجية تهدف إلى بناء الوعي الوطني، وتوحيد الجهود، وإعداد الكوادر القادرة على حمل الرسالة الوطنية وتحويل التنظيم إلى قوة مجتمعية فاعلة.
لقد أكدت التجارب التاريخية للحركات الوطنية أن قوة أي حركة سياسية لا تقاس فقط بحجم حضورها الجماهيري أو امتدادها التاريخي، وإنما بقدرتها على الحفاظ على هويتها الفكرية، وتجديد أدواتها، وتطوير مؤسساتها، والاستجابة للتحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة.
إعادة بناء الإنسان التنظيمي
يشكل الإنسان التنظيمي الركيزة الأساسية في نجاح أي حركة وطنية. فالعضو في حركة التحرر ليس مجرد منتسب إلى إطار تنظيمي، وإنما هو حامل لفكرة ومشروع وطني، ويمثل الحركة في محيطه الاجتماعي.
ومن هنا فإن النهوض التنظيمي يتطلب إعادة الاعتبار للتثقيف السياسي والفكري، وتعزيز المعرفة بتاريخ الحركة وأهدافها ونظامها الداخلي، وترسيخ ثقافة الالتزام والانضباط والمسؤولية، بعيداً عن أي مظاهر للمحسوبية أو الشخصنة.
كما أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى إعداد جيل تنظيمي جديد يمتلك القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والإعلامية والقانونية، ويجمع بين الخبرة التاريخية وروح التجديد.
تفعيل المؤسسات واحترام النظام الداخلي
إن قوة التنظيم ترتبط بمدى احترامه لمؤسساته ونظامه الداخلي. فالمؤسسات هي الضامن لاستمرارية الحركة، وهي الإطار الذي ينظم العلاقة بين القيادة والقواعد ويمنع تغليب الاجتهادات الفردية على العمل الجماعي.
وتطبيق مبدأ المركزية الديمقراطية يشكل أحد الأسس التنظيمية المهمة، بحيث تكون الأطر التنظيمية فضاءً للحوار والنقاش وتبادل الرؤى، مع الالتزام بالقرارات التي تصدر عن المؤسسات المختصة.
إن تعزيز دور المؤتمرات والأطر القيادية والهيئات الرقابية، وتفعيل آليات التقييم والمساءلة، يمثل ضرورة لضمان حيوية التنظيم وقدرته على مواجهة التحديات.
الشراكة التنظيمية وبناء الثقة
إن تأكيد اللواء الطيراوي على أن المرحلة المقبلة ستدار بروح الفريق الواحد، وعلى أساس الشراكة وتكامل المسؤوليات، يعكس إدراكاً لأهمية تجاوز أي مظاهر للإقصاء أو التهميش، والعمل على توظيف جميع الطاقات والخبرات لخدمة الحركة ومشروعها الوطني.
فالحركات التاريخية لا تبنى على إلغاء التجارب السابقة، وإنما على تراكم الخبرات والاستفادة من النجاحات ومعالجة جوانب القصور بروح نقدية بناءة.
وتبقى العلاقة بين القيادة والقاعدة التنظيمية عاملاً حاسماً في قوة الحركة؛ فكلما اقتربت القيادة من قواعدها ومجتمعها، ازدادت قدرتها على التأثير والحضور.
الحركة أمام استحقاقات وطنية كبرى
تواجه القضية الفلسطينية تحديات غير مسبوقة، في ظل استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان والضم، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، إلى جانب المتغيرات الإقليمية والدولية التي تفرض على القوى الوطنية الفلسطينية تطوير أدواتها وتعزيز وحدتها الداخلية.
وفي هذا السياق، فإن دور حركة «فتح» يتطلب استعادة المبادرة السياسية والجماهيرية، من خلال تنظيم فاعل قادر على التعبئة الشعبية، وتعزيز الصمود الوطني، وربط العمل التنظيمي باحتياجات المجتمع وقضاياه اليومية.
فالحركة التي قادت مراحل أساسية من النضال الوطني مطالبة اليوم بتجديد خطابها وأدواتها، والحفاظ على إرثها التاريخي، مع الانفتاح على متطلبات العصر وتطلعات الأجيال الجديدة.
البعد المؤسسي والقانوني في العمل التنظيمي
من منظور مؤسسي، فإن الالتزام بالنظام الداخلي يمثل الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحفظ وحدة الحركة ويضمن انتظام عملها. فالقوانين واللوائح الداخلية ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي قواعد حاكمة تحدد المسؤوليات والصلاحيات وآليات اتخاذ القرار.
وكلما ارتبط العمل التنظيمي بالمؤسسات والأنظمة، ازدادت قدرة الحركة على الاستمرار والتجدد، وأصبح انتقال المسؤوليات قائماً على أسس واضحة تضمن الاستقرار وتراكم الخبرات.
خاتمة
إن مهمة هيئة التعبئة والتنظيم في المرحلة المقبلة تتجاوز حدود إعادة ترتيب العمل الداخلي، لتصل إلى جوهر دور الحركة ومكانتها الوطنية. فالمطلوب هو بناء تنظيم قوي، مؤسسي، ديمقراطي، قادر على استنهاض الجماهير وحماية المشروع الوطني.
والبناء على المنجز الذي أكد عليه اللواء توفيق الطيراوي يتطلب تحويل هذه الرؤية إلى برنامج عمل عملي يقوم على تفعيل المؤسسات، وتجديد الدماء، وتعزيز ثقافة الشراكة، وربط التنظيم بالجماهير.
فحركات التحرر الوطني لا تستمد قوتها من تاريخها فقط، بل من قدرتها على التجدد ومواكبة التحولات. وحركة «فتح»، بما تمتلكه من إرث وتجربة، قادرة على استعادة دورها الطليعي متى نجحت في الجمع بين ثوابتها الوطنية وضرورة تطوير أدواتها التنظيمية والسياسية.



