قبل أن يرحل بنيامين نتنياهو... السؤال ليس من يخلفه، بل: هل تتغير إسرائيل؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يوليو 15, 2026 - 08:32
قبل أن يرحل بنيامين نتنياهو... السؤال ليس من يخلفه، بل: هل تتغير إسرائيل؟

قبل أن يرحل بنيامين نتنياهو... السؤال ليس من يخلفه، بل: هل تتغير إسرائيل؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم الحديث المتزايد داخل إسرائيل عن مرحلة "اليوم التالي لنتنياهو"، يبرز سؤال يتجاوز الأشخاص والأحزاب ليطال جوهر المشروع السياسي الإسرائيلي نفسه: هل يمثل رحيل بنيامين نتنياهو بداية تحول استراتيجي في سياسات إسرائيل، أم أنه مجرد انتقال للسلطة داخل المنظومة ذاتها مع بقاء العقيدة السياسية والأمنية على حالها؟
هذا السؤال هو ما وضعه الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في صدارة النقاش العام من خلال مقاله في صحيفة هآرتس، حيث وجّه سلسلة من الأسئلة الصريحة إلى أبرز المرشحين لخلافة نتنياهو، وعلى رأسهم غادي آيزنكوت، نفتالي بينيت، ويائير لابيد. ولم تكن هذه الأسئلة مجرد استفسارات انتخابية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة النخبة الإسرائيلية على مواجهة الحقيقة التي تجنبتها لعقود، وهي أن الاحتلال الفلسطيني أصبح القضية المركزية التي تحدد مستقبل إسرائيل وعلاقاتها بالعالم.
تكمن أهمية ما طرحه ليفي في أنه يكسر واحدة من أكبر المسلمات في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وهي اختزال الأزمة في شخص بنيامين نتنياهو. فمنذ سنوات، جرى تقديم نتنياهو باعتباره مصدر كل أزمات إسرائيل، من الانقسام الداخلي إلى تراجع مكانتها الدولية، غير أن ليفي يعيد توجيه البوصلة نحو جوهر الأزمة، مؤكداً أن المشكلة أعمق من شخص رئيس الحكومة، وأن الاحتلال هو العامل الذي يعيد إنتاج الأزمات مهما تبدلت الحكومات.
لقد نجح نتنياهو في تكريس معادلة سياسية تقوم على إدارة الصراع بدلاً من حله، وتوسيع الاستيطان بدلاً من وقفه، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى ملف أمني يخضع لمنطق القوة العسكرية. لكن اللافت أن معظم القوى التي تعارض نتنياهو لم تقدم مشروعاً سياسياً مختلفاً، بل اكتفت بالدعوة إلى تغيير القيادة، دون المساس بالأسس التي قامت عليها سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
وهنا تبرز دلالة الأسئلة التي يطرحها ليفي: هل ستنسحب إسرائيل من غزة؟ هل ستنهي الاحتلال في الضفة الغربية؟ هل ستفكك البؤر الاستيطانية التي تضاعف عددها خلال السنوات الأخيرة؟ هل ستوقف اعتداءات المستوطنين؟ هل ستطلق سراح المعتقلين الإداريين؟ هل ستعيد الاعتبار للعملية السياسية؟ وهل ستعترف بأن استمرار الاحتلال هو أصل الأزمة؟
إن مجرد طرح هذه الأسئلة يعكس إدراكاً متزايداً داخل بعض الأوساط الفكرية الإسرائيلية بأن إسرائيل وصلت إلى مأزق تاريخي. فالحرب على غزة لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة، بل عمقت عزلة إسرائيل الدولية، وأدخلتها في مواجهة قانونية وسياسية غير مسبوقة، مع تزايد الاتهامات بانتهاك القانون الدولي الإنساني، واتساع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وتصاعد الضغوط الأوروبية والأممية لوقف الحرب وإنهاء الاحتلال.
وفي الوقت ذاته، تشهد الضفة الغربية تحولاً خطيراً يتمثل في تسارع الاستيطان، وتوسيع نفوذ المستوطنين، وإضعاف السلطة الفلسطينية، بما يعكس توجهاً استراتيجياً لفرض وقائع دائمة تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً بالغ الصعوبة. وهذا المسار لا يرتبط بنتنياهو وحده، بل يحظى بتأييد واسع داخل اليمين الإسرائيلي، كما لا يواجه اعتراضاً حقيقياً من قوى الوسط التي تفضل إدارة الأزمة على معالجتها.
من هنا، فإن الرهان على أن سقوط نتنياهو سيؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسة الإسرائيلية يبدو رهاناً يفتقر إلى الواقعية. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الحكومات الإسرائيلية، على اختلاف توجهاتها، حافظت على ثوابت استراتيجية تتعلق بالقدس، والاستيطان، والسيطرة الأمنية، ورفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، مع اختلاف في الخطاب والأساليب أكثر من اختلافها في الأهداف.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من سيجلس في مكتب رئاسة الحكومة  وإنما: هل تمتلك النخبة السياسية الإسرائيلية الشجاعة للاعتراف بأن الاحتلال أصبح عبئاً استراتيجياً على إسرائيل قبل أن يكون مأساة مستمرة للشعب الفلسطيني؟
لقد أدركت شخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها المؤرخون والباحثون أمثال إيلان بابيه، وآفي شلايم، وعومر بارتوف، إضافة إلى كتاب مثل جدعون ليفي وأمير أورن، أن استمرار الاحتلال لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يعيد تشكيل إسرائيل نفسها، ويدفعها تدريجياً نحو نموذج الدولة القائمة على الهيمنة الدائمة والتمييز البنيوي، بما يقوض ادعاءها بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".
ولعل أخطر ما كشفته الحرب على غزة أنها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى نقطة تحول في صورة إسرائيل الدولية. فقد تصاعدت المطالب بفرض العقوبات، واتسعت حملات المقاطعة، وتزايدت الدعوات لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام القضاء الدولي، بينما بدأ الرأي العام الغربي، ولا سيما في الجامعات ووسائل الإعلام، يعيد النظر في الرواية الإسرائيلية التقليدية، ويمنح اهتماماً متزايداً للرواية الفلسطينية ولقضية الحقوق الوطنية.
وفي المقابل، تبدو المعارضة الإسرائيلية عاجزة عن بلورة مشروع سياسي قادر على استثمار هذه اللحظة التاريخية. فهي ترفع شعار "إنقاذ إسرائيل"، لكنها لا تقدم تصوراً لإنهاء الاحتلال، ولا خطة لإحياء عملية السلام، ولا رؤية للتعامل مع الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية. ولذلك، فإن التغيير الذي تدعو إليه يبقى تغييراً في الإدارة لا في الاستراتيجية.
إن مستقبل المنطقة لن يتحدد برحيل نتنياهو أو ببقاء أي شخصية أخرى، وإنما بمدى استعداد إسرائيل لإعادة النظر في فلسفة القوة التي حكمت سياساتها لعقود. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لم تستطع إنهاء القضية الفلسطينية، كما أن الاستيطان لم يحقق الأمن، والحروب المتكررة لم تنتج سلاماً دائماً.
إن ما يطرحه جدعون ليفي يتجاوز حدود النقد السياسي الداخلي، ليشكل رسالة إلى المجتمع الإسرائيلي مفادها أن الأزمة ليست أزمة حكومة، بل أزمة مشروع. وإذا بقي الاحتلال هو الإطار الناظم للسياسة الإسرائيلية، فإن تغيير الوجوه لن يغير الحقائق، وستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الصراع وعدم الاستقرار.
إن أي حكومة إسرائيلية قادمة ستواجه اختباراً تاريخياً: إما الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجته وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، أو الاستمرار في سياسة فرض الوقائع بالقوة، بما يفتح الباب أمام مزيد من العزلة الدولية، ويقود إلى دورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، فإن السؤال الذي طرحه جدعون ليفي سيظل قائماً، ليس فقط أمام المرشحين لخلافة نتنياهو، بل أمام الدولة الإسرائيلية بأكملها: هل المشكلة كانت في نتنياهو، أم في مشروع الاحتلال ذاته؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل إسرائيل، كما ستحدد مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.