3 سنوات وعداد الموت لم يتوقف في قطاع غزة*
*3 سنوات وعداد الموت لم يتوقف في قطاع غزة*
أبو شريف رباح
14/7/2026
ثلاث سنوات مضت على العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة لكن عداد الموت لم يتوقف لحظة واحدة وكأن الزمن في غزة توقف عند مشاهد الدمار والدماء والتهجير والجوع، فبينما يتطلع العالم إلى حلول سياسية واتفاقات تهدئة تنهي معاناة المدنيين لا يزال أهالي القطاع يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم ومستقبلهم وحياتهم اليومية.
ومع ارتفاع حصيلة الشهداء إلى أكثر من 73 ألف شهيد، وأكثر من 173 ألف مصاب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حسب سجلات الصحة في غزة، وآلاف المفقودين تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة، لم يعد الموت في غزة مرتبطاً بالقصف والصواريخ فقط، بل أصبح جزءاً من حياة يومية يفرضها الحصار الخانق وانهيار الخدمات الأساسية فالمستشفيات والمراكز الصحية تعاني أوضاعاً كارثية نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود مما يجعل علاج الجرحى والمرضى مهمة شبه مستحيلة، إضافة إلى انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين وهو ما يزيد من حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أهالي القطاع.
أما على صعيد النزوح فإن أكثر من مليون فلسطيني ما زالوا يعيشون ظروفاً قاسية داخل خيام مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة ومع ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ الشديد ونقص المياه الصالحة للشرب وانعدام الخدمات الصحية، تحولت مخيمات النزوح إلى بيئة طاردة للحياة فيما يواصل السكان معركتهم اليومية من أجل البقاء.
ورغم الحديث عن اتفاقات تهدئة ووقف لإطلاق النار فإن الواقع على الأرض يعكس صورة مختلفة تماماً فالانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف بل استمرت عمليات القتل والاستهداف المباشر للفلسطينيين ما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء والجرحى وحسب الإحصائيات فقد أدت هذه الانتهاكات إلى استشهاد أكثر من 1110 فلسطينيين وإصابة 3599 آخرين منذ بدء سريان الهدنة، إضافة إلى انتشال نحو 800 جثمان من تحت الأنقاض، في مشهد يؤكد هشاشة أي اتفاق لا يضمن حماية المدنيين ووقف الاعتداءات بشكل كامل، لقد تحولت الهدنة بالنسبة للكثير من سكان غزة إلى عنوان بلا مضمون، مع استمرار القصف والاستهداف عبر الغارات الجوية والاغتيالات، أو من خلال سياسة الحصار التي تخنق القطاع وتحرم سكانه من الغذاء والدواء، حيث باتت حياة أكثر من مليوني إنسان رهينة قرارات الاحتلال والمعابر التي يتحكم بها، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولكل المواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وفي ظل هذا المشهد المأساوي، تبرز مسؤولية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية بصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمطلوب لم يعد الاكتفاء ببيانات الإدانة أو الدعوات إلى التهدئة، بل اتخاذ خطوات عملية وفاعلة تضمن وقف العدوان بشكل كامل، وإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية، وفتح المعابر بشكل دائم أمام دخول المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية دون قيود، وتأمين الحماية الدولية للمدنيين، كما تقع على عاتق الدول العربية والإسلامية مسؤولية سياسية وإنسانية وأخلاقية كبيرة، من خلال توحيد جهودها وتكثيف تحركاتها الدبلوماسية في المحافل الدولية، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، والمساهمة في الإغاثة العاجلة وإعادة إعمار قطاع غزة، بما يخفف من معاناة ملايين الفلسطينيين الذين يواجهون الموت والجوع والمرض والحصار منذ ثلاث سنوات.
إن ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل مأساة ممتدة تكشف عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين وعن فرض احترام القانون الدولي، في وقت تتواصل فيه معاناة أهالي غزة الذين يعيشون تحت وطأة الحرب والحصار والحرمان من أبسط حقوقهم الإنسانية. فثلاث سنوات من القتل والدمار والحصار، واستمرار الصمت الدولي، منحت الاحتلال مزيداً من الوقت لمواصلة انتهاكاته بحق المدنيين، واليوم، فإن قطاع غزة لم يعد يحتمل المزيد من المآسي، وشعبه الذي صمد في وجه الحرب والجوع والنزوح يستحق أن يعيش بحرية وكرامة وأمان، بعيداً عن القصف والحصار وسياسة العقاب الجماعي.
إن التاريخ لن يرحم المتقاعسين، كما أن الأجيال القادمة ستسجل مواقف الدول والمنظمات التي اكتفت بالمشاهدة، وتلك التي تحركت دفاعاً عن العدالة والإنسانية، وما لم تتحمل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، من خلال فرض وقف دائم للعدوان، ورفع الحصار، وضمان تدفق المساعدات، وإطلاق عملية جدية لإعادة الإعمار، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فإن عداد الموت سيبقى مفتوحاً، وستظل غزة تنزف أمام أعين العالم.
لكن الأمل يبقى معقوداً على أن تنتصر إرادة العدالة على منطق القوة، وأن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، وفق قرارات الشرعية الدولية، ليُطوى أخيراً فصل من أطول فصول المعاناة في التاريخ المعاصر.



