كفر اللبد… بلدة التاريخ والصمود والعلم شرق طولكرم

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة – الأستاذ عبد البري

ديسمبر 16, 2025 - 17:03
كفر اللبد… بلدة التاريخ والصمود والعلم شرق طولكرم

كفر اللبد… بلدة التاريخ والصمود والعلم شرق طولكرم

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة – الأستاذ عبد البري

1. الموقع الجغرافي والمساحة

تقع بلدة كفر اللبد في الجهة الشرقية من محافظة طولكرم في الضفة الغربية، على بُعد نحو 9 كيلومترات من مركز مدينة طولكرم، وترتفع قرابة 400 متر عن سطح البحر، ما يمنحها موقعاً جغرافياً مميزاً وإطلالة استراتيجية على محيطها.
تبلغ مساحة أراضي البلدة نحو 14,757 دونماً، فيما تمتد المنطقة العمرانية على قرابة 1,800 دونم. ويحدها من الغرب مدينة طولكرم، ومن الشرق رامين، ومن الشمال عنبتا، ومن الجنوب بيت ليد وسفارين وشوفة وذنابة.

2. التسمية والجذور التاريخية

يرتبط اسم كفر اللبد بطبيعتها الجغرافية والتاريخية؛ إذ تشير كلمة “كفر” في اللغة الكنعانية إلى القرية أو التجمع الزراعي، بينما يدل “اللبد” على الإقامة والالتصاق بالأرض طلباً للرزق. وقد ورد ذكر البلدة في المصادر التاريخية كبلد زراعي عريق، عُرف بالصناعة والعلم، وكان في فترات مختلفة مركزاً لطلبة الفقه والشريعة، خاصة خلال العهد العثماني.

3. السكان والتركيبة الاجتماعية

شهدت كفر اللبد نمواً سكانياً متدرجاً؛ إذ بلغ عدد سكانها عام 1922 نحو 540 نسمة، وارتفع إلى 940 نسمة عام 1945، ثم إلى 1300 نسمة عام 1967. وفي عام 2001 قُدّر عدد السكان داخل البلدة بنحو 4 آلاف نسمة، إضافة إلى قرابة 2500 من أبنائها في الشتات، ليصل مجموع أبناء البلدة إلى نحو 6500 نسمة.

تتكوّن البنية الاجتماعية في البلدة من ثلاث حمايل رئيسية:

حامولة آل رجب: أبوليلي، جبارة، حجازي، صبحه، حمدان، محفوظ، بكر، موسى، غزالة، جبعيتي، الحاج يوسف.

حامولة آل ثلثين: برهوش، خضر، أبو اجباره، خطاب، أبو ارشيد، حجاز، عابودي، كايد، عمرو، شنان، الرقطي.

حامولة الفقهاء: الأسود، عبد الحق، أبو خميش، بريمي، عبد الباقي، ياسين، اللبدي، اللاوي، آل عثمان.

4. كفر اللبد ومسيرة التضحيات الوطنية

قدّمت بلدة كفر اللبد عبر تاريخها الحديث كوكبة من الشهداء الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات مفصلية من النضال الوطني الفلسطيني، وشكّلت تضحياتهم جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية للبلدة.

ففي ثورة عام 1936، ارتقى الشهيدان عبد الرحيم برهوش وطاهر برهوش على أرض كفر اللبد، كما استشهد يوسف الشملوتي عام 1938 في سياق تلك المرحلة التاريخية.
وفي عام 1968، استشهد سامي حجازي، الذي خُلّد اسمه بإطلاقه على مدرسة ذكور كفر اللبد الثانوية، تقديراً لتضحياته وترسيخاً للذاكرة الوطنية في الوعي التربوي.
كما استشهد عبد الكريم عثمان عام 1985 خارج الوطن أثناء قيامه بمهام تدريبية، ودفن في العاصمة الأردنية عمّان.
وفي عام 2000، ارتقى الشهيد جواد الأسود في مدينة طولكرم خلال قصف استهدف مقر المقاطعة.
وفي 26 أيلول/سبتمبر 2002، استشهد نشأت غالب عبد الحميد أبو جبارة، من مواليد كفر اللبد عام 1977، بعد سنوات من الملاحقة، ليكون أحد أبرز شهداء البلدة في تلك المرحلة.
كما استشهد عقيل جبعيتي عام 2004 في مدينة طولكرم.

5. الأرض والزراعة

تتبع للبلدة عدد من العزب الزراعية، أبرزها: الحفاصي، والخلال، وعزبة أبو خميش. وتُعد الزراعة من الركائز الأساسية للاقتصاد المحلي، حيث تُزرع الحبوب والبقوليات والفواكه، وتنتشر أشجار الزيتون على نطاق واسع، إضافة إلى التوسع في الزراعة المروية والبيوت البلاستيكية وبرك الري.

6. الآثار والمعالم التاريخية

تزخر كفر اللبد بمواقع أثرية تعود إلى العصور الرومانية، تشمل صهاريج منحوتة في الصخر، ومدافن قديمة، إلى جانب خِرَب أثرية بارزة، أبرزها رأس الشومر بما تحتويه من بقايا بيوت وأعمدة وفسيفساء، ما يعكس عمقها الحضاري وأهميتها التاريخية.

7. الاستيطان ومصادرة الأراضي

تعرضت البلدة منذ عام 1981 لمصادرة أجزاء من أراضيها الشرقية لصالح إقامة مستعمرة عيناف، ثم توسعت المصادرات باتجاه رأس الشومر والخلة الشرقية. وفي عام 1987 أُقيمت مستعمرة أفني حيفتس على أراضٍ غربية من البلدة، كما جرى الاستيلاء على منطقة دير أبان جنوب غرب البلدة لأغراض عسكرية واتصالات. وفي مواجهة ذلك، شكّل الأهالي لجاناً شعبية لمناهضة الاستيطان والدفاع عن الأرض.

8. المؤسسات والخدمات

تضم كفر اللبد عدداً من المؤسسات الحيوية، من أبرزها: بلدية كفر اللبد، النادي الرياضي، جمعية سيدات كفر اللبد، ومركز طوارئ 24. كما تضم مدارس للذكور والإناث، ورياض أطفال، بما يعكس اهتمام المجتمع المحلي بالتعليم وبناء الإنسان.

9. أعلام البلدة

أنجبت كفر اللبد عدداً من العلماء والفقهاء، من أبرزهم: محمد بن أحمد بن سعيد اللبدي، وياسين بن علي اللبدي، وعبد الغني اللبدي. كما برزت شخصيات اجتماعية وطنية، من بينها المرحوم فائق عبد الرحمن جبارة (أبو العبد)، الذي شكّل نموذجاً في الكرم والعمل والتمسك بقيمة التعليم.

10. كفر اللبد… هوية وصمود

تمثل كفر اللبد نموذجاً للبلدة الفلسطينية التي جمعت بين التاريخ والعلم، وبين الزراعة والصمود، وبين الانتماء الوطني والتشبث بالأرض. ورغم ما تعرضت له من مصادرات وضغوط، ما زالت تحافظ على هويتها، مؤكدة أن الجغرافيا الفلسطينية ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وحق راسخ لا يسقط بالتقادم.