المحامي الفلسطيني... خط الدفاع الأول عن العدالة في مواجهة الاحتلال
يوم المحامي الفلسطيني يؤكد أن معركة القانون لا تقل أهمية عن معركة الأرض
المحامي الفلسطيني... خط الدفاع الأول عن العدالة في مواجهة الاحتلال
يوم المحامي الفلسطيني يؤكد أن معركة القانون لا تقل أهمية عن معركة الأرض
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
في الوقت الذي تتعرض فيه منظومة القانون الدولي لأخطر اختبار منذ تأسيس الأمم المتحدة، ويواجه الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والهوية والوجود، يكتسب إحياء يوم المحامي الفلسطيني دلالات تتجاوز حدود المناسبة النقابية، ليغدو مناسبة وطنية وقانونية تؤكد أن معركة فلسطين لم تعد تقتصر على ميادين السياسة والدبلوماسية، بل أصبحت معركة قانون وعدالة وحقوق إنسان بامتياز.
ولم يكن اختيار التاسع من تموز يوماً للمحامي الفلسطيني مجرد تاريخ إداري ارتبط بقرار الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1997 بتشكيل أول نقابة وطنية للمحامين النظاميين، بل أصبح رمزاً لوحدة الجسم القانوني الفلسطيني، وتجسيداً لإيمان الدولة الفلسطينية بأن العدالة وسيادة القانون هما الركيزة الأساسية لبناء المؤسسات وحماية الحقوق، وأن المحامي شريك أصيل في تحقيق العدالة وصون الحريات.
واليوم، وبعد ما يزيد على ربع قرن من تأسيس النقابة، يجد المحامي الفلسطيني نفسه أمام مسؤوليات تاريخية غير مسبوقة، في ظل تصاعد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وسياسات الضم والتهجير القسري، والعدوان المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، التي وثقتها مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، وأصبحت محل نظر أمام المحاكم والهيئات القضائية الدولية.
لقد أدرك الاحتلال منذ سنوات أن أخطر ما يواجه مشروعه الاستعماري ليس فقط المقاومة على الأرض، وإنما أيضاً المقاومة القانونية التي تكشف جرائمه أمام الرأي العام العالمي، وتحوّل الضحية إلى صاحب حق، والجاني إلى متهم، والانتهاكات إلى ملفات قضائية قابلة للمساءلة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يصبح المحامون الفلسطينيون والمدافعون عن حقوق الإنسان والمؤسسات القانونية هدفاً مباشراً لسياسات التضييق والاستهداف، لأنهم يمثلون أحد أهم أدوات حماية الرواية الفلسطينية وإثبات الحقيقة.
ومن هنا، جاء المؤتمر الوطني الذي نظمته نقابة المحامين الفلسطينيين في مدينة البيرة، تحت عنوان "الاستيطان والاحتلال في فلسطين بين سياسات الضم والتهجير وواجبات العدالة الدولية"، ليؤكد أن القانون لم يعد مجرد إطار نظري لتنظيم العلاقات، بل أصبح ميداناً رئيسياً للمواجهة مع الاحتلال، وأداة استراتيجية للدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن عنوان المؤتمر يختزل طبيعة المرحلة الراهنة؛ فالاستيطان لم يعد مجرد مخالفة قانونية، وإنما مشروع استعماري إحلالي يهدف إلى تغيير الجغرافيا والديموغرافيا وفرض وقائع جديدة على الأرض، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان وضرورة إنهائهما.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى لتضع الإصبع على جوهر الأزمة عندما أكد أن القانون أصبح هو نفسه ساحة للصراع، وأن الدفاع عنه لم يعد مسؤولية رجال القانون وحدهم، بل مسؤولية المجتمع الدولي وكل من يؤمن بأن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على سيادة القانون لا على منطق القوة. فحين تُعطَّل قواعد العدالة، وتُطبق المعايير بازدواجية، يصبح النظام الدولي نفسه موضع مساءلة.
إن أخطر ما يواجه المجتمع الدولي اليوم ليس فقط استمرار الاحتلال، وإنما تراجع هيبة القانون الدولي أمام حسابات السياسة وموازين القوة. فحين تُرتكب الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين دون محاسبة، تتعرض المنظومة القانونية الدولية لخطر فقدان مشروعيتها، ويتحول القانون إلى نصوص عاجزة عن حماية الإنسان.
وفي هذا المشهد، يبرز دور المحامي الفلسطيني باعتباره أحد أعمدة الصمود الوطني، ليس فقط من خلال الدفاع عن الحقوق والحريات داخل المجتمع الفلسطيني، وإنما أيضاً عبر بناء الملفات القانونية، وتوثيق جرائم الحرب، وملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي، والتعاون مع نقابات المحامين والمؤسسات الحقوقية في مختلف أنحاء العالم لترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ولعل ما أكده نقيب المحامين فادي عباس من أن النقابة تضطلع بمهمتين متكاملتين؛ الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وصيانة الحقوق والحريات العامة داخلياً، يعكس الفلسفة الحقيقية للمحاماة الفلسطينية، باعتبارها رسالة وطنية قبل أن تكون مهنة، ورسالة أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للكسب.
كما أن كلمات رئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار محمد عبد الغني العويوي، والنائب العام المستشار أكرم الخطيب، أكدت أن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تكامل أركان منظومة القضاء، وأن المحامي يمثل الضمانة الأساسية لحق الدفاع، وأحد أهم ركائز استقلال القضاء وسيادة القانون.
إن التجربة الفلسطينية أثبتت أن المحاماة ليست مرافعات داخل قاعات المحاكم فقط، وإنما حضور دائم في كل معركة يخوضها الشعب الفلسطيني دفاعاً عن وجوده وحقوقه. فمن الدفاع عن الأسرى والمعتقلين، إلى توثيق جرائم الاستيطان، ومن متابعة قضايا مصادرة الأراضي وهدم المنازل، إلى إعداد الملفات المقدمة للمحاكم الدولية، ظل المحامي الفلسطيني في قلب المواجهة القانونية مع الاحتلال.
وفي ظل التطورات الأخيرة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، تتضاعف أهمية بناء استراتيجية قانونية فلسطينية متكاملة، تقوم على توحيد جهود النقابة، والقضاء، والنيابة العامة، والجامعات، ومراكز البحوث، ومؤسسات حقوق الإنسان، بما يحول القانون إلى أداة فاعلة في حماية الحقوق الوطنية، وليس مجرد وسيلة للدفاع التقليدي.
غير أن هذه الرسالة الوطنية تفرض في الوقت ذاته مسؤوليات داخلية لا تقل أهمية، وفي مقدمتها حماية استقلال القضاء، وتعزيز استقلال نقابة المحامين، وتطوير التشريعات الناظمة للمهنة، وتأهيل جيل جديد من المحامين يمتلك أدوات القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي والتحكيم الدولي والعدالة الانتقالية، بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة القانونية العالمية.
كما أن معركة القانون تستدعي شراكة حقيقية بين النقابات المهنية، ومؤسسات الإعلام، والأوساط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، لإنتاج خطاب قانوني وإعلامي قادر على مخاطبة العالم بلغة الحقوق والوقائع والأدلة، بعيداً عن الانفعال، وقادراً على مواجهة الرواية الإسرائيلية بالحجة القانونية والوثيقة الموثقة.
إن يوم المحامي الفلسطيني ليس مناسبة للاحتفاء بمهنة عريقة فحسب، بل هو تجديد للعهد بأن تبقى العدالة فوق كل اعتبار، وأن يظل القانون السلاح الحضاري الذي يحمي الحقوق، ويصون الكرامة، ويمنع الإفلات من العقاب.
لقد أثبت الفلسطيني، رغم الاحتلال، أن بإمكانه أن ينتصر بالقانون كما يقاوم بالصمود، وأن يبني شرعية حقوقه على قواعد العدالة الدولية، حتى وإن عجز المجتمع الدولي عن إنفاذها بالسرعة المطلوبة.
وسيظل المحامي الفلسطيني، كما كان عبر عقود النضال، حارساً للعدالة، وأميناً على سيادة القانون، وصوتاً للمظلومين، ومدافعاً عن الحرية، وشريكاً في معركة التحرر الوطني، حتى تتحقق العدالة، ويستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.



