اكرهوا طولكرم... فلقد رأيت فيها
بقلم: حسام حلمي
اكرهوا طولكرم... فلقد رأيت فيها
بقلم: حسام حلمي
مبتسمون... رغم كل ما عانوه....
ذلك أول ما تراه في أهل طولكرم.
تدخل المدينة من حاجزٍ كريه، فتجد طريقها الرئيسي مغلقًا، وتُجبِرك التحويلة على أن تلتفت يسارًا نحو أنقاض مخيم نور شمس. تنظر إليه بأسى، معتذرًا في سرك عن عجزك، فتأتيك من هناك نسمة هواء، وكأنها تهمس في أذنك إن أحسنت الإصغاء:
"لا تأسف... فوربك إنكم منتصرون."
وهنا يولد أول شعورٍ بالكراهية... كراهيةٌ لغبائك؛ لأنك جئت محمّلًا بالحزن، فإذا بالأمل يسبقك إلى المكان، ويجلس في قلبك قبل أن تطأه قدماك.
وتتابع السير حتى تدخل الشارع القديم، فتبدأ ملامح مدينةٍ ظننت أنك نسيتها تتسلل إليك. عندها تدرك أنها لم تغادر يومًا؛ بل كانت محفورةً في جدران ذاكرتك، وفي أعمق زوايا قلبك. تراها الآن بفؤادك قبل عينيك.
تشم رائحة الملوخية الطازجة، وتمتزج بها رائحة الذرة المشوية على العربات. ثم تقع عيناك على درجاتٍ مختلفة من اللون الأحمر؛ نصف بطيخةٍ يتخذها أحد الباعة تاجًا فوق رأسه، وبسطة بندورة تتلألأ تحت أشعة الشمس، وكأنها تناديك بصمت:
تعال... تذوق. تعال... لا تكن أحمق.
وتقترب من مدخل مخيم طولكرم، فتنظر مرةً أخرى إلى زاويةٍ من القلب، لا إلى المكان. ترى الجراح، لكنك ترى الشموخ قبلها. تقرأ في آثار الخراب حجم المعركة، وتدرك من شدة الحقد الذي صُبَّ عليه أنه كان عملاقًا محاربًا... لا يموت إلا واقفًا، يحمي أهله، ويشتاق إلى سُمرة وجوههم، وضحكات أطفالهم، وحكايات مساءاتهم.
وهنا يتولد شعور الكراهية للمرة الثانية... كراهيةٌ لمن لا يرى في هذا المكان عظمةً، ولا يرى في أهله وطنًا يستحق العشق.
وتواصل القيادة في تلك المدينة الصغيرة، فإذا بنظرات أهلها تلاحقك. تشعر أنهم يعرفونك، وأنك وإن غبت طويلًا، فما زلت واحدًا منهم. يحيونك بعيونهم قبل كلماتهم:
"أهلًا بابن البلد."
لا يهم إن كنت من الخليل، أو رام الله، أو نابلس، أو غزة... ففي طولكرم، كل من أحبها يصبح ابنًا لها.
وهنا يولد الشعور الأخير بالكراهية...
كراهيةٌ لقوة الحب الذي زرعته في قلبك.
كراهيةٌ لعجزك عن مغادرتها دون أن تترك شيئًا منها في روحك.
كراهيةٌ لقدرتها على أن تُعلِّمك معنى الكرامة، وأن تجعلك تشتاق إليها قبل أن تغادرها.
لا داعي لأن تكمل طريقك...
ستجد نفسك، رغماً عنك، تردد تلك الأسئلة:
كم غبت عن طولكرم؟ ولماذا؟
وكم تعشق طولكرم؟ ومنذ متى؟
وإن لم تزرها يومًا حتى هذه اللحظة...
فلا بأس...
فبعض البشر... لا حظ لهم من هذا الجمال.



