لماذا الإدراك اختياري؟ كيف تصنع العقلية والقصدية الإدراك قبل أن يتدخل العقل والمنطق

يونيو 22, 2026 - 22:08
لماذا الإدراك اختياري؟ كيف تصنع العقلية والقصدية الإدراك قبل أن يتدخل العقل والمنطق

لماذا الإدراك اختياري؟

كيف تصنع العقلية والقصدية الإدراك قبل أن يتدخل العقل والمنطق

محمد قاروط أبو رحمه

يعتقد كثير من الناس أنهم يرون الواقع كما هو، وأن عقولهم تعمل بطريقة محايدة ومنطقية، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالإنسان لا يعيش داخل الواقع مباشرة، بل يعيش داخل إدراكه الخاص لهذا الواقع، وإدراكه ليس عملية تلقائية أو موضوعية بالكامل، بل عملية انتقائية تخضع لمنظومة داخلية متكاملة تتكون من العقلية والقصد والقصدية، ثم يأتي العقل والمنطق لاحقاً ليبررا ما تم اختياره مسبقاً.

من هنا تنشأ قاعدة مهمة لفهم السلوك الإنساني: الإدراك اختياري، لأن الإنسان لا يرى كل شيء، بل يرى ما يريد أن يراه أو ما تسمح له منظومته الداخلية أن يراه.

إن الواقع أكبر بكثير من قدرة الإنسان على استيعابه دفعة واحدة. ففي كل لحظة تحيط بنا آلاف المعلومات والمؤثرات والأحداث، لكن الدماغ لا يتعامل معها جميعاً، بل ينتقي منها ما ينسجم مع اهتماماته ومعتقداته وتوجهاته السابقة. ولهذا السبب يمكن لشخصين أن يقفا أمام الحدث نفسه ويخرجا باستنتاجين مختلفين تماماً.

فالاختلاف لا يكون دائماً في الواقع نفسه، بل في طريقة إدراكه.

ولعل واحدة من أهم القواعد التي توصلت إليها العلوم المعرفية الحديثة هي أن "الخارطة الذهنية ليست الواقع". فالإنسان لا يتعامل مع العالم كما هو، بل كما يتصوره هو. وهذه الخارطة الذهنية تتشكل عبر التربية، والتجربة، والثقافة، والخبرات المتراكمة، والبيئة الاجتماعية، والقيم التي يحملها الإنسان في داخله.

لكن ما يغيب عن كثيرين أن الإدراك لا يبدأ بالعقل والمنطق، بل يبدأ قبل ذلك بالعقلية والقصدية.

فالعقلية هي العدسة الكبرى التي يرى الإنسان من خلالها العالم. إنها التوجه الداخلي الذي يحدد ما نعطيه أهمية وما نهمله، وما نعتبره فرصة وما نعتبره تهديداً، وما نراه نجاحاً وما نراه فشلاً.

أما القصد فهو الهدف المباشر الذي يسعى الإنسان لتحقيقه، بينما القصدية هي توجيه الانتباه بصورة واعية أو غير واعية نحو كل ما يخدم ذلك الهدف.

ومن هنا تصبح العبارة التالية ذات دلالة عميقة: أنت لا ترى كل شيء، بل ترى ما تبحث عنه.

فالذي يبحث عن الأخطاء سيرى الأخطاء في كل مكان، والذي يبحث عن المؤامرات سيجد مؤشرات عليها في كل حدث، والذي يبحث عن فرص النجاح سيرى إمكانيات البناء حتى في أصعب الظروف.

وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية، وهي أن العقل والمنطق ليسا دائماً محايدين كما نتصور.

فالإنسان لا يفكر أولاً ثم يقرر، بل كثيراً ما يقرر أولاً ثم يفكر لاحقاً لتبرير قراره. ولهذا يتحول المنطق في كثير من الأحيان إلى محامٍ بارع يدافع عن اختيارات سبق أن اتخذتها العقلية والقصدية.

ومن هنا يمكن فهم المقولة التي كثيراً ما نغفل عنها: البلاء ليس في المنطق، بل في توجيه المنطق.

فالمنطق أداة عظيمة، لكنه لا يعمل مستقلاً عن الإنسان، بل يخدم ما توجهه إليه العقلية. فإذا كانت العقلية موجهة نحو البناء، أصبح المنطق أداة لإنتاج الحلول. وإذا كانت العقلية موجهة نحو الوصاية والأستاذية، أصبح المنطق أداة لتصيد الأخطاء وتبريرها.

ولهذا السبب، فإن الانحياز الإدراكي ليس مجرد خطأ معرفي عابر، بل هو نتاج منظومة متكاملة تعمل وفق تسلسل واضح.

فالعقلية تحدد زاوية النظر، والقصد يحدد الهدف، والقصدية توجه الانتباه، ثم يأتي العقل والمنطق لبناء التفسيرات والمبررات.

إنها منظومة مترابطة تجعل الإدراك عملية اختيارية أكثر مما نظن.

ومن هنا أيضاً يمكن تفسير ظاهرة "النقد الأستاذي أو الفرعوني" التي تظهر في كثير من المؤسسات والمجتمعات. فالمشكلة لا تكمن غالباً في ضعف العقل أو قلة المعرفة، بل في توجيه هذه المنظومة بأكملها نحو إثبات التفوق الفكري بدلاً من صناعة الأثر.

فحين تصبح العقلية متعالية، ويتحول القصد إلى إثبات الذات، وتُوجَّه القصدية نحو البحث عن العيوب، فإن العقل والمنطق لن يقوما إلا بخدمة هذا المسار.

عندها يصبح الإنسان أسيراً لما يريد أن يراه، ويظن أنه يمارس النقد الموضوعي بينما هو في الحقيقة يمارس انتقاءً إدراكياً موجهاً.

ولهذا فإن بناء المجتمعات والمؤسسات لا يبدأ بإصلاح الأفكار وحدها، بل بإصلاح البنية التي تسبق الأفكار نفسها؛ أي العقلية والقصدية.

فالمعركة الحقيقية ليست معركة ذكاء أو معلومات، بل معركة توجيه الانتباه وبناء عقلية قادرة على رؤية الإمكانات قبل رؤية العثرات، والشراكة قبل الوصاية، والحلول قبل الأحكام.

وفي النهاية، تبقى القاعدة الجامعة:

الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يرى ما تسمح له منظومته الداخلية أن يراه. ولذلك، فإن إصلاح الإدراك يبدأ بإصلاح العقلية، وتصحيح القصد، وتوجيه القصدية، حتى يصبح العقل والمنطق أداتين للبناء لا أدوات لتبرير ما قررناه مسبقاً.

فالإدراك ليس نافذة محايدة على العالم، بل اختيار مستمر يصنع مستقبل ا

لإنسان والمجتمعات والأوطان.