الساحرة رام الله
عيسى قراقع
الساحرة رام الله
عيسى قراقع
في شارع الإرسال برام الله أوقفنا حاجز عسكري اسرائيلي، لم تخبرنا نشرات الأخبار أن هذا الشارع مغلق، الجنود يفتشون ويستفزون الناس ويحشرون المركبات، يقولون لنا نحن هنا في قلب مدينتكم السياسية، حيث تتجاور مقار المؤسسات الرسمية ومكاتب القيادات والفصائل ومراكز القرار، والمنظمات الحقوقية والإنسانية والممثليات الدولية، ليس الحاجز مجرد نقطة تفتيش عابرة، بل أكثر من ألف حاجز وبوابة تنتشر بين القرى والمدن الفلسطينية، أنه السجن الأكبر الذي نعيش فيه يوميا، بل نصاً سياسياً مكثفاً يختصر حكاية الفلسطينيين منذ عقود طويلة، فهنا، في قلب ما يفترض أنه مركز السلطة، تظهر قوة اخرى تحمل بندقية وتهدد وتقتل وتعتقل وتقول لك: مهما كنت فأنت في قبضتنا، وعليك أن تنتظر وتبرز هويتك وتلفونك، وتخلع بنطلونك، وتسكت حتى اشعار آخر.
في نفس اليوم أغار المستوطنون على قرية المغير، وأطلقوا الرصاص على السكان والبيوت، وطردوا المزارعين من أراضيهم وصادروا مواشيهم، وفي نفس اليوم اغلقوا حاجزي عين سينيا وعطارة، واحتشدت المركبات في شارع قلنديا أكثر شارع مثير للأعصاب والجنون.
قال لي صديقي، هذا أمر طبيعي، تعودنا على ذلك، ويبدأ حينها الصراع للخروج من الدائرة المغلقة، ولا أحد من قلب المدينة ينظر إلى أطرافها المشوهة، ولا أحد ينتبه أن رام الله مسيجة، وان هناك بشرا يستنزفون يوميا ويذلون كلما دخلوا إليها أو خرجوا منها.
أصبح للشوارع لغة خاصة بالفلسطينيين، أبجدية وقاموس ومفردات تحاول السيطرة الرمزية على واقع لا يمكن السيطرة عليه، العبور بالحيلة أو بالصبر أو بكتم الانفاس، الغضب والسخرية والنكات، العبارات اللاذعة، الحواجز العسكرية مزروعة في اللغة ايضا، ارشيف غير مكتوب مليء بالغبار والخوف والاستهتار والانتظار.
منذ زمن طويل أصبح الفلسطيني يعيش داخل مناطق رمادية غامضة، سلطة بلا سيادة، ومؤسسات دولة بلا دولة، وأعلام ترفرف فوق أرض لا تستطيع حمايتها، كان يفترض أن تكون السلطة مرحلة نحو التحرير، لكنها تحولت مع الزمن إلى حالة قائمة بذاتها، إدارة يومية لحياة شعب ما زال يعيش تحت السيطرة العسكرية المباشرة للاحتلال.
رام الله تشبه المرأة الساحرة، تملأ المكان بصور الحياة الطبيعية، مقاه مزدحمة، شوارع مضاءة، مؤسسات، جامعات، فنادق، فنون، نقاشات سياسية لا تنتهي، كل شيء فيها تشعرك بالحرية وهي تقيدك بقيود غير مرئية، الزينة والمظاهر الخلابة، مساحيق ومكياج كثيف، وأدوات بيروقراطية، تشعرك أنك السيد والقائد واللواء والعقيد والعاشق، والمسؤول المشغول دائما بالاجتماعات وإعداد الخطط والأوراق والمشاريع التنموية والزراعية والاجتماعية، لكن هذه الساحرة تتركك على حاجز عسكري بلا قبلة أخيرة.
الساحرة رام الله تأسرك بجمالها الذي يزين قضبان القفص بالألوان، لكن هذا السحر سرعان ما يتلاشى عند أول حاجز، واول جنازة لشهيد، واول قرار يصدر من خارج إرادتها، هناك خدعة في التفاصيل الصغيرة، فبين خريطة معلقة على جدار مؤسسة رسمية وبين مستوطنة تتمدد فوق تلة قريبة، تبحث عن دولة في الكلمات فلا تجد لها صوتا في الخريطة.
هذه الساحرة رام الله اذا زرتها، تأخذك إلى مفاتنها الجميلة، إلى الندوات الثقافية والمؤتمرات، ولكنها لا تأخذك إلى شارع ينام على رصيفه جرحى ومعاقون يطالبون بحقوقهم الانسانية، تأخذك إلى المولات الباهرة، والمناطق النظيفة، لكنها لا تأخذك إلى تجمع عمال فقراء قرروا التسلل إلى أعمالهم داخل حاوية، هذه الساحرة تقرا عليك القصائد والاغاني، وتستحضر الرموز في كل محاضرة أو نشيد أو مناظرة، لكنها لا تعلمك كيف تصل إلى بيتك حيا إن قررت المغادرة.
حاجز في شارع الارسال، مداهمات يومية، والساحرة تضيء عينيها وتلبس اجمل فساتينها وتنام كل ليلة متأخرة، تراني من الشباك ولا تناديني، تقول لي خذ الليل معك، لا ترهقني بمواعيدك المؤجلة، لا تسيس جسدي، انا ساحرة، اجمع الليل والنهار حتى تصدق اوهامك عن الحرية والعدالة.
الساحرة رام الله تقول لي: خذ الصورة فقط، وامزج الحقيقة بالرغبة، خذ الديكورات الكاملة للدولة القادمة، وتعال الي كل ليلة، حتى لو تعثرت بالإسلاك الشائكة.
حاجز في شارع الارسال، والساحرة رام الله تخفف عني الصدمة، تمنحني الكثير من الإشارات والتوقعات بأن نهاية النفق لا تزال ممكنة، أنها تتقن تمثيل الحرية، بينما يقف الاحتلال خلف الستارة ممسكا بخيوط المسرح، أشعر أني اعيش بين الظل والضوء، ولكن ما كل هذا الضجيج في روحي عندما تمر طائرة وتلقي صاروخا فوق رؤوس الناس في غزة، أو تدعس جرافة على بيت في مخيم جنين وتوجع الذاكرة؟
إذا ذهبت إلى رام الله الساحرة لا تضبط وقتك، الوقت ليس لك، لا تأخذ موعدا مع أحد، المواعيد مبعثرة، وأكثر من الاسئلة: من اي طريق اجيئ اليك ايتها الساحرة؟ في أي ساعة نلتقي؟ أخبريني هل حاجز بيت ايل مفتوح ام مغلق؟ هل المستوطنون الارهابيون يعربدون حول جسمك الجميل ويرجمونه بالحجارة والشتائم القذرة؟ وإن لم أصل هل تبحثين عني في سجن او مقبرة؟
هذا الحاجز يحتل بصري وعقلي، ليس مجرد كتلة اسمنتية، أنه الاحتلال الجاثم على صدري، وعلى الجغرافيا والتاريخ والمستقبل، أعلام اسرائيلية ترفرف في الطرقات، لافتات تحذر الاسرائيليين من دخول المناطق الفلسطينية لأنها اماكن خطرة مليئة بالوحوش الفلسطينية، عنصرية وهمجية في وطن يختفي في القاع حين تعلو المستوطنات الجبال، فيختفي من أمامي الزمن الحضري ويحل مكانه زمن الجدران والابراج والثكنات.
رام الله الساحرة احبتني واحببتها، مدينة معلقة بين قلبي وعقلي، تزين جرحها، وتبتسم لي في النهار، بينما يقف الاحتلال ليلا عند حدود ابتسامتها، أستطيع أن اتغزل فيها عشقا وهياما واشرب ماء السراب، وأستطيع أن أحضنها ولكن تحت سقف الخراب.
هذه الساحرة لم اكف عن حبها، ولم أستطع تصديقها، احببتها لأنها تقاوم الموت بالحياة، وخشيت أن تتحول الحياة فيها إلى طريقة أنيقة للتعايش مع الموت السياسي.
كانت رام الله دافئة بالحب والكتابة والضحك في كل صباح، لكنها غير واضحة في المساء، لأنها لا تملك الحدود ولا الطريق ولا السماء.
أمام الالتباس السياسي والنفسي للساحرة، وبين الدولة وصورة الدولة، وفي هذا الفراغ أعلن صديقي الصحفي نبهان خريشة اعتراف جيله الاول بالهزيمة، وحطم الديكورات، بينما صديقي الشاعر المتوكل طه تمرد على المحاكاة، ومشى يبحث في المدينة عن بائع الترمس، ليكتب قصيدته العارية.



