إعادة بناء العلاقة بين القطاعات الفلسطينية على أساس الشراكة الحقيقية ضرورة استراتيجية ملحة لمواجهة التحديات.

بقلم : محمد شريف زيدان

يونيو 16, 2026 - 12:28
إعادة بناء العلاقة بين القطاعات الفلسطينية على أساس الشراكة الحقيقية ضرورة استراتيجية ملحة لمواجهة التحديات.

إعادة بناء العلاقة بين القطاعات الفلسطينية على أساس الشراكة الحقيقية ضرورة استراتيجية ملحة لمواجهة التحديات.

بقلم : محمد شريف زيدان

شكّل العمل الأهلي والنقابي في فلسطين، على مدار أكثر من قرن، أحد أهم روافع الصمود الوطني والاجتماعي والاقتصادي. فمنذ البدايات الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية، كانت المؤسسات الأهلية والنقابية حاضنة للعمل المجتمعي والنضالي، وأسهمت في تعزيز قدرة شعبنا على مواجهة التحديات وترسيخ قيم التكافل والانتماء.

و في جميع  محطات النضال الفلسطيني ، لعبت هذه المؤسسات دورًا محوريًا في احتضان المجتمع الفلسطيني وتنظيم جهوده الشعبية، لتتحول إلى ركيزة أساسية من ركائز الصمود الوطني. ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، واصلت المؤسسات الأهلية والنقابية دورها في البناء والتنمية وتقديم الخدمات، رغم ما شهدته المرحلة من مظاهر تنافس وتباين في الرؤى بين بعض الجهات الرسمية وبعض مكونات القطاع الأهلي، إضافة إلى تأثيرات بعض الجهات المانحة.

ورغم ذلك، ما زالت المؤسسات الأهلية والنقابية تتحمل جزءًا كبيرًا من أعباء خدمة المجتمع الفلسطيني، إلى جانب دورها الوطني في دعم المشروع الفلسطيني سياسيًا ومجتمعيًا. ومن الواجب توجيه التحية والتقدير لكل الكوادر التي أسست هذا القطاع وساهمت في استمراره وتطويره، ولكل مؤسسة تركت بصمة حقيقية في خدمة أبناء شعبنا وتعزيز صمودهم.

وبعد إقرار قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية عام 2000، شهد القطاع توسعًا ملحوظًا من خلال تصويب أوضاع المؤسسات القائمة وإنشاء مؤسسات جديدة. إلا أن هذا الواقع أفرز أيضًا بعض النماذج المحدودة التي أسهمت في تشويه صورة القطاع الأهلي، كما ظهرت مؤسسات تأثرت بأجندات خارجية لا تنسجم مع أولويات المجتمع الفلسطيني وثوابته الوطنية.

غير أن وجود هذه الحالات لا ينبغي أن يكون مبررًا لتعميم الاتهامات أو الإساءة إلى مجمل قطاع العمل الأهلي، خاصة أن الإطار القانوني الفلسطيني يتضمن ضوابط واضحة لتنظيم التمويل وآليات الرقابة عليه. إلا أن غياب التطبيق الفاعل لبعض هذه الضوابط أسهم في خلق إشكاليات وتناقضات ما زالت تلقي بظلالها على العلاقة بين القطاع الأهلي والجهات الرسمية والمجتمع .

ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات التمويل والعلاقة بين الشركاء الوطنيين، بما يضمن استقلالية القرار الوطني، ويحمي المؤسسات من الضغوط الخارجية، ويعزز ثقة المجتمع بها. وضمن المبادرات المستمرة والمسؤولية تقدّم الاتحاد الوطني للمؤسسات الأهلية في فلسطين عام 2011 الى مجلس الوزراء ، رؤية متكاملة تدعو إلى تفعيل لجنة الشراكة بين الحكومة والقطاع الأهلي والقطاع الخاص ، وإنشاء صندوق وطني لدعم العمل الأهلي يشارك في تمويله القطاعان العام والخاص إلى جانب التمويل الخارجي المنظم .

وتهدف هذه الرؤية إلى حماية ووحده القطاع الأهلي من التدخلات الخارجية، وتعزيز التنمية المستدامة، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، وتعزيز النزاهة والشفافية ، وتوجيه التمويل نحو أولويات المجتمع الفلسطيني واحتياجاته الحقيقية، بما ينسجم مع رؤية وطنية موحدة وشاملة ، الا انه حتى الان لم يُؤخذ بهذه الرؤية و المبادرات الأخرى من أجل مراجعة السياسات والاستراتيجيات ، ولا تزال الفجوة قائمة .

إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، تفرض على جميع الأطراف إعادة بناء العلاقة على أساس الشراكة الحقيقية لا المنافسة. فالمؤسسات الأهلية والنقابية ليست عبئًا على الدولة، بل شريكًا أساسيًا في حماية المجتمع وتعزيز صموده وترسيخ مقومات التنمية والاستقرار.

إن قوة المجتمع الفلسطيني تكمن في تكامل أدوار مؤسساته الوطنية كافة، الرسمية والأهلية والنقابية والاقتصادية. وعندما تتوحد الجهود وتتكامل الرؤى، يصبح شعبنا أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق تطلعاته في الامن والامان و الحرية والاستقلال والتنمية.

وفي الختام، نجدد التقدير لكل المؤسسين والكوادر و العاملين في قطاعي العمل الأهلي والنقابي، ولكل من أسهم ويسهم في خدمة أبناء شعبنا الفلسطيني. فهذه المؤسسات كانت وما زالت شريكًا أصيلًا في مسيرة الصمود والبناء، وستبقى رافعة من روافع المجتمع الفلسطيني في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

فكرامة المواطن من كرامة الوطن، وصموده هو الحصن الذي يحفظ عزته واستمراره.