مدنية السياسة وفردية التدين: قراءة في وثيقة المدينة وسقيفة بني ساعدة
محمد قاروط أبو رحمه
مدنية السياسة وفردية التدين: قراءة في وثيقة المدينة وسقيفة بني ساعدة
محمد قاروط أبو رحمه
إن المحور الأساسي لكل عمل سياسي، بطبيعته وغايته، هو إدارة شؤون الدنيا وتنظيم حياة البشر، وليس الفصل في قضايا الآخرة والغيب. غير أن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تتشكل الجماعات المتدينة وتدخل معترك السياسة؛ حيث تفرغ العمل السياسي من واقعيته وتضفي عليه صبغة غيبية قدسية.
ونتيجة لذلك، يتحول الخلاف السياسي التعددي إلى تكفير وإخراج من الملة، ويصبح المخالف في الرأي مرتداً لا يُقبل ولا يُحاور، وهو ما يناقض تماماً جوهر الممارسة السياسية السلمية.
والحقيقة التاريخية والدينية تؤكد أن التدين هو شأن فردي خالص وعلاقة عمودية بين العبد وربه، أما العمل السياسي وبناء المجتمعات فيقومان على القيم الإنسانية المشتركة وما يتوافق عليه الناس من مصالح دنيوية متبادلة.
النموذج النبوي:
وثيقة المدينة كدستور مدني يتجلى هذا الفصل الواعي بين مدنية الدولة وفردية التدين في العهد النبوي نفسه.
فعندما هاجر النبي محمد ﷺ إلى المدينة المنورة، لم يؤسس دولة دينية بالمفهوم الإقصائي، ولم يسعَ لبناء مجتمع متدين بالإكراه، بل بنى دولة لكل مواطنيها بموجب "وثيقة المدينة"؛ وهي وثيقة مدنية بامتياز. لقد ركزت هذه الدولة على إرساء مجتمع أساسه العدل، والمساواة في القضاء والاقتصاد، وتحقيق الأمن، وضمان حرية التعبير، مكرسةً المبدأ الأسمى: "حرية الاعتقاد".
هذه الفلسفة في بناء المجتمعات على أساس قيمي إنساني لا على أساس ديني، تدعمها الآية القرآنية المحكمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: 17]. إن الآية تقرر بوضوح أن الفصل بين أصحاب الملل والمعتقدات المختلفة مرده إلى الله وحده يوم القيامة. وهذا دليل على أن العيش المشترك وبناء الأوطان في الدنيا يجب أن يقوم على القيم الإنسانية وما يتفق عليه المجتمع لإدارة حياته، وليس على فرض نمط تدين معين، فالقيم مشتركة والتدين فردي.
سقيفة بني ساعدة:
ممارسة سياسية بشرية ولم يكن سلوك الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ إلا تعزيزاً لهذه المدنية والواقعية السياسية. فإذا تأملنا تسلسل الحوار في "سقيفة بني ساعدة"، نجد أننا أمام ممارسة سياسية بشرية خالصة تخضع لآليات التفاوض والترشيح والتنافس:
1. المبادرة: بدأ الأمر باجتماع الأنصار لوحدهم والتفافهم حول سعد بن عبادة كل لتقديم مرشحهم.
2. التكامل السياسي: أصر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة على اللحاق بالاجتماع لضمان تمثيل الشركاء، وتجاوزوا الدعوات للاعتزال في اجتماع منفصل للمهاجرين.
3. طرح الصيغ والتسويات: بدأ النقاش بموقف الأنصار المطالب برئاسة مشتركة ("أمير منا وأمير منكم").
4. المناورة والترشيح: قدم أبو بكر خيارات بديلة بترشيح عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة عامر ابن الجراح
5. التفاوض على السلطة: قدم سعد بن قدامة اقتراحاً تشاركياً لتقاسم الصلاحيات ("نحن الوزراء وأنتم الأمراء").
6. التنافس المباشر: برز الحباب بن المنذر مقدماً نفسه كخيار للرئاسة.
7. الحسم الديمقراطي: قدم عمر بن الخطاب أبا بكر للرئاسة، وكان أول من بايعه بشير بن سعد الخزرجي من الأنصار، متجاوزاً العصبيات القبلية، وتبعه عمر وأبو عبيدة والحاضرون.
لقد شهدت السقيفة حواراً سياسياً راقياً، وحملة انتخابية شديدة الانضباط والاحترام، قُدمت فيها البينات والحجج، وأُعليت فيها مصلحة الشعب واستقرار الدولة الناشئة فوق المصالح الشخصية للمرشحين.
الامة وليّة نفسها:
إن هذا الإرث التاريخي والنصي يثبت حقيقة:
ان الأمة أو الشعب هو الولي على نفسه، وهو صاحب السيادة في اختيار من يدير شؤونه الدنيوية وفقاً لمبدأ الشورى والمصلحة العامة. بناءً على ذلك، يتضح أنه لا أساس شرعياً أو واقعياً لمفاهيم الحكم الشمولي الإقصائي القائم على تفويض غيبي، مثل "الولي الفقيه" أو "المرشد" أو "الخليفة" بالمعنى الحزبي الضيق. إن مصلحة الجميع تكمن في دولة القانون والمواطنة، حيث السياسة للدنيا والمصالح المشتركة، والتدين لله والضمير الفردي.



