تأمل "في سلوك الطبقة السياسية الحاكمة ٠٠والعيد"!
من قلم: عمرو العملة ٠
تأمل "في سلوك الطبقة السياسية الحاكمة ٠٠والعيد"!
من قلم: عمرو العملة ٠
كاتب وباحث في المشكلات الإقليمية والعالمية المعاصرة ٠
مع كل عيد جديد يأتي على شعبنا تزداد معه ؛ كل أشكال وصنوف؛ العذاب٠٠القتل ٠٠ المذابح٠٠ الظلم ٠٠ الفقر ٠٠ البطالة ٠٠الجوع ٠٠العطش٠٠ المرض ٠٠ الخوف ٠٠المهانة ٠٠ القهر٠٠٠٠"٠
هذا ما يحس به الفلسطيني ؛ ويتعرض له من الداخل والخارج ؛ من الصديق والحليف ؛ قبل العدو ٠
لعل ما يتعرض له الفلسطيني من الخارج أمر معروف؛ بل ومفهوم ؛ ولكن أن يجد نفس هذا العذاب والظلم ؛ واقع ممن يتولون أمره ؛يكون عمقه أشد وطأة وقسوة؛ وأكثر مرارةعليه٠
فإذا ما تأملنا سلوك الطبقة السياسية والتنظيمية الحاكمة في موسم الأعياد ؛ نلمس؛ تكريس سياسة وضع" أكاليل الزهور" على قبر الرئيس الراحل ( أبو عمار) وقبور الشهداء الآخرين٠ وهو سلوك لم يتبدل أو يتغير؛ منذ عقدين على الأقل٠
رغم عدم تقليلنا أو تبخيسنا لهذا السلوك؛ حيث الشهداء أكرم منا جميعاً ؛ يبقى السؤال المطروح في ذهن المحلل المراقب ؛مفتوحاً : ما جدوى هذا السلوك ؟٠
إذا ما قرأناه في سياقه الإنساني ؛ فهو لا يضفي بعداً إنسانياً؛لخدمة المواطنين أو تعزيز القرب منهم؛ أما إذا قرأناه في سياقه السياسي؛ فهو سلوك ضمن بروتوكول بيروقراطي محسوب ؛أقرب ما يكون إلى " الرأسمال الرمزي" وفق؛ عالم الإجتماع والفلسفة (بيير بورديو) بمعنى أن الغاية هنا ليست الخدمة العمومية؛في تلبية طموحات واحتياجات المواطنين ؛بل الإستثمار في الصورة والهيبة؛ وتحصين الشرعية ؛عبر الإشارات الرمزية ٠
وهنا يحضرني قول عالم الإجتماع الفرنسي ( ماكس فيبر):" أن شرعية السطة ؛ لا تكتسب فقط من القهر أو القانون ؛ بل أيضاً من القبول الطوعي الذي يمنحه المجتمع للحاكم ؛ متى تجسدت في شخصيته ؛ سمات انسانية وأخلاقية ورمزية "٠
وهو ما يوجب على طبقتنا السياسية والتنظيمية الحاكمة ؛ القطيعة ؛مع سلوكها الحالي ؛ الذي يدار بمنطق "علو الكعب" بأكبر من منطق القرب من الشعب ؛ وذلك من خلال عمل لا يكتفي بالأداء المؤسسي؛ والبروباغندا الناعمة ؛ لتعزيز الرمزية السياسية ؛التي لا تلامس هموم المواطنين ؛وتذمرهم المعيشي ؛ولا تَحِل أو تعالج أزمات ومشاكل المجتمع ؛ أو تبني مداميك دولة؛ بل على العكس قد تزيد من هشاشة النظام ٠
ولعل من أهم المبادئ في هذا الإطار؛ اعادة تشكيل العلاقة بين هذه الطبقة والمجتمع على أسس أكثر واقعية ؛وإرتطاماً بالارض؛ من خلال عمل دؤوب ؛ يتجاوز الشعارات الممجوجة ؛ لا يعرف التراخي ؛ ولا يتوقف في منتصف الطريق؛ تعين شعبها على نوائب الدهر ؛ تفرح أهالي وأسر الشهداء والأسرى والجرحى وكل المكلومين والمظلومين والمقهورين ؛ ولو من خلال زيارة إلى بيوتهم ؛ في مناسبة العيد؛ أو زيارة إلى المناطق المعرضة للإرهاب والعنف الاستيطاني ؛ والحِميَة للصامدين في وجه موجات هذا الإرهاب ؛ تشد أزرهم ؛ وتقوي معنوياتهم ؛أو زيارة لدور الأيتام ؛ورعاية المسنين ؛وذوي الإختياجات الخاصة ؛ تشعرهم ؛ ب" الأبوة الحانية" ٠
وبما يضفي " بعداً إنسانياً"على ممارسة السلطة؛ وأدب القرب من المواطنين ؛ وخفض الجناح للمستضعفين٠
إن القيادة؛ ليست سبيلاً للتكبر والتصنع والإفتتان بالسلطة والتعالي والتميز ؛ بل أمانة ومسؤولية لخدمة المواطنين والإنصات لهم وتحسس ومشاطرة همومهم ؛ ومشاركتهم تفاصيل حياتهم اليومية ؛وجعلهم يدركون؛ أن لهم قيادات من طينتهم ؛ قيادات تشبههم؛ تحس بآلامهم وآمالهم ؛ وأن لا مكان للتباعد بين الحاكم والمحكوم٠
إن القائد يجب أن لا يجلس في برجه العاجي؛ وإدارة السلطة من أعلى الهرم ؛بل أن يكون في مكانه الطبيعي ؛ والنزول - أحياناً - إلى الشارع بين شعبه ؛ يستمع إليه ؛ لا يملي عليه ؛ أو يتعالى عليه؛ حيث تنبض الحقيقة المجردة وتبنى الثقة٠
وأن لا فضل لطبقة على أخرى ؛ فالجميع أبناء وطن واحد متساوون في الإنتماء والكرامة الإنسانية ؛وشركاء في الهدف والمصير٠
وهو ما يشكل ترجمة حقيقية؛ لفهم عميق لمعنى القيادة وسلوكها السياسي والإنساني والأخلاقي؛ في ثقافتنا الإسلامية ٠
ونستعيد هنا قول أم المؤمنين ؛ أمنا (عائشة) رضي الله عنها ؛ لرسولنا الكريم ( محمد) صلى الله عليه وسلم ؛ وهو يرجف من هول الوحي:
" والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك تحمل الكل ؛ وتعين على نوائب الدهر"٠



