العتمة هي المساحة التي لم تمتد اليها يديك بعد
محمد قاروط أبو رحمه
العتمة هي المساحة التي لم تمتد اليها يديك بعد
محمد قاروط أبو رحمه
العتمة ليست دائمًا نقيض النور، بل قد تكون حدوده المؤقتة. هي تلك المساحة التي لم تمتد إليها يداك بعد، لا لأنك عاجز، بل لأنك لم تكتشف بعد أنك قادر على الوصول. في داخل كل إنسان مناطق لم تُستكشف، أفكار لم تُفكك، ومشاعر لم تُسمَّ. وهذه المساحات، حين تظل بعيدة عن وعينا، نسميها "عتمة".
لكن، ماذا لو كانت العتمة دعوة لا تهديدًا؟
حين نخاف من الظلام، فنحن في الحقيقة نخاف مما قد نجده فيه. نخاف من مواجهة أنفسنا دون أقنعة، من أسئلة بلا إجابات جاهزة، ومن احتمالات لا يمكن السيطرة عليها. العتمة تكشف هشاشتنا، لكنها في الوقت ذاته تمنحنا فرصة نادرة: أن نعيد تشكيل ذواتنا بصدق.
اليد التي لم تمتد بعد ليست يدًا ضعيفة، بل يدًا لم تُجرّب. كل خطوة نحو العتمة هي محاولة للفهم، وكل محاولة للفهم هي شكل من أشكال النور. ليس المطلوب أن نبدد الظلام دفعة واحدة، بل أن نجرؤ على التقدم داخله، ببطء، بثقة مترددة، لكن مستمرة.
العتمة أيضًا مساحة للنمو. البذور لا تنبت في الضوء، بل في عمق الأرض، في ظلمة تبدو ساكنة لكنها في الحقيقة مليئة بالحياة. كذلك الإنسان، كثير من تحوّلاته العميقة تبدأ في لحظات الانعزال، في أوقات يبدو فيها كل شيء غامضًا وغير واضح. هناك، في تلك العتمة، تتشكل المعاني الجديدة.
وحين تمتد يدك أخيرًا إلى تلك المساحة، ستكتشف أن الظلام لم يكن كما تخيلت. ستجد تفاصيل كانت غائبة، وستدرك أن الخوف كان أكبر من الحقيقة. وربما الأهم من ذلك، ستكتشف نفسك: أكثر اتساعًا، وأكثر قدرة على الفهم، وأكثر استعدادًا للمضي قدمًا.
العتمة إذن ليست فراغًا، بل احتمال. ليست نهاية، بل بداية لم تُكتب بعد. وكل يد تمتد نحوها، تضيء جزءًا جديدًا من العالم… ومن الذات.



