المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال: بين مشروعية النضال وسياسات تجريم الوجود الفلسطيني

مايو 25, 2026 - 11:21
المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال: بين مشروعية النضال وسياسات تجريم الوجود الفلسطيني

المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال: بين مشروعية النضال وسياسات تجريم الوجود الفلسطيني
المحامي علي أبو حبلة
في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من اعتداءات يومية متواصلة، تبرز المقاومة الشعبية بوصفها حقاً مشروعاً كفلته القوانين والمواثيق الدولية، ووسيلة دفاع طبيعية لشعب ما زال يرزح تحت الاحتلال والاستيطان والاقتلاع. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، يقف عاجزاً أو صامتاً أمام سياسات الاحتلال التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في أرضه ووجوده وحقوقه الوطنية والإنسانية.
فما تشهده الضفة الغربية بما فيها القدس والأغوار الفلسطينية لم يعد مجرد إجراءات أمنية كما تدّعي حكومة الاحتلال، بل أصبح مشروعاً متكاملاً لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي والسياسي، عبر التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس، وفرض الوقائع بالقوة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف التي تحظر على سلطة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو تغيير معالمها.
الاعتداءات اليومية التي ينفذها المستوطنون بحق المواطنين الفلسطينيين، بحماية جيش الاحتلال، من حرق للممتلكات، واقتلاع للأشجار، والاعتداء على القرى والبلدات، ليست أحداثاً معزولة، بل تأتي ضمن سياسة منظمة تهدف إلى إرهاب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم، خاصة في مناطق الأغوار الفلسطينية والخان الأحمر ومسافر يطا وغيرها من المناطق المستهدفة بالتفريغ السكاني لصالح المشروع الاستيطاني.
وفي القدس المحتلة، تتسارع عمليات التهويد بشكل غير مسبوق، سواء عبر توسيع المستوطنات، أو تغيير الطابع العربي والإسلامي والمسيحي للمدينة، أو من خلال هدم المنازل والمنشآت الاقتصادية والتجارية، وفرض الضرائب والإجراءات التعسفية التي تستهدف الوجود الفلسطيني وتدفع المقدسيين نحو الهجرة القسرية. كما تمتد سياسة الهدم لتشمل مختلف مناطق الضفة الغربية، حيث تُهدم المنازل والمنشآت الزراعية والتجارية تحت ذرائع إدارية وقانونية تستخدم كأداة سياسية لعقاب الفلسطينيين وتجريدهم من مقومات الحياة والصمود.
وفي موازاة ذلك، تنتهج حكومة الاحتلال سياسة مزدوجة المعايير، إذ تمنح المستوطنين الحماية والدعم والتمويل، بينما تُجرّم المقاومة الشعبية الفلسطينية وتصفها بـ”الإرهاب”، حتى عندما تكون مقاومة سلمية تتمثل في الدفاع عن الأرض أو الاعتصام ضد الاستيطان أو رفض التهجير القسري. والأسوأ من ذلك أن الاحتلال يواصل التضييق على الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، عبر سلب حقوقهم الإنسانية، وتشديد ظروف اعتقالهم، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، في مخالفة واضحة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية الأسرى والمعتقلين.
إن ما يجري يكشف بوضوح أن الاحتلال لا يستهدف فقط المقاومين، بل يستهدف الوجود الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في محاولة لفرض واقع استعماري دائم يقوم على الضم الزاحف والتطهير الديمغرافي التدريجي. ومن هنا، فإن المقاومة الشعبية تصبح ضرورة وطنية وأخلاقية وقانونية للدفاع عن الأرض والهوية والحقوق الوطنية.
غير أن نجاح المقاومة الشعبية يتطلب توفير مقومات الصمود الوطني، عبر تعزيز الوحدة الوطنية، ودعم المواطن الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، وحماية الحريات العامة، وتفعيل أدوات المقاطعة ومواجهة الاستيطان، إلى جانب بناء استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى القانون الدولي والرواية الفلسطينية العادلة.
إن الشعب الفلسطيني الذي صمد لعقود في مواجهة الاحتلال والاستيطان، ما زال يمتلك إرادة البقاء والتمسك بأرضه وحقوقه، رغم كل محاولات الإقصاء والتجريم. وستبقى المقاومة الشعبية، بأشكالها المختلفة، تعبيراً مشروعاً عن رفض الاحتلال وسياساته، ورسالة للعالم بأن شعباً يناضل من أجل الحرية والكرامة لا يمكن أن يُختزل في توصيفات سياسية منحازة أو في معايير مزدوجة تتجاهل جوهر القضية وحق الشعوب في التحرر والاستقلال.