عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟

بين وجع غزة، وخطر التهويد، وتراجع المشروع العربي

مايو 24, 2026 - 09:45
عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟

عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟
بين وجع غزة، وخطر التهويد، وتراجع المشروع العربي
المحامي علي أبو حبلة

“عيدٌ بأي حالٍ عدت يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ”
لم يكن أبو الطيب المتنبي وهو يطلق صرخته الشعرية الشهيرة يدرك أن الأمة العربية والإسلامية ستعيش بعد قرون طويلة ذات الأسئلة الثقيلة، وذات الإحساس بالخيبة والمرارة، حين يأتي العيد محمّلاً بالوجع بدل الفرح، وبالقلق بدل الطمأنينة، وبالدموع بدل البهجة.
يأتي العيد هذا العام فيما غزة تنزف تحت وطأة حربٍ مدمرة، والقدس تواجه أخطر مشاريع التهويد، والضفة الغربية تعيش حصاراً سياسياً واقتصادياً واستيطانياً غير مسبوق، فيما تبدو الأمة العربية غارقة في انقساماتها وصراعاتها وحساباتها الضيقة، عاجزة عن صياغة مشروع عربي جامع يحفظ الأمن القومي العربي ويصون الحقوق الفلسطينية.
لقد كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يقول في خطب العيد: “كيف نفرح وهذه الهموم متراكمة، وهذه المشكلات قائمة، وتلك المعضلات عصية على الحل؟”. واليوم تبدو كلمات الغزالي أكثر حضوراً وقسوة، لأن واقع الأمة لم يتحسن، بل ازدادت أزماته تعقيداً، وتعمقت فجوة العجز العربي، وتكرست سياسة فرض الأمر الواقع التي تمارسها إسرائيل مستفيدة من حالة الضعف والانقسام.
فأي عيدٍ هذا، والقدس تُستهدف يومياً بمشاريع التهويد وتغيير الهوية الديموغرافية والتاريخية؟
وأي عيدٍ هذا، والمستوطنات تتمدد في الضفة الغربية، فيما يواصل الاحتلال الحديث عن “إسرائيل الكبرى” ومخططات الضم وفرض السيادة على الأرض الفلسطينية؟
وأي عيدٍ هذا، وغزة تحولت إلى عنوانٍ للمجاعة والدمار والكارثة الإنسانية وسط صمت دولي وعجز أممي مخزٍ؟
إن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم لا يقتصر على العدوان العسكري أو الاستيطاني، بل يتمثل في محاولة تحويل الاحتلال إلى “أمر طبيعي” في المنطقة، وإعادة صياغة الأولويات العربية بعيداً عن فلسطين باعتبارها القضية المركزية للأمة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ حين يصبح الاحتلال أقل كلفة سياسياً، وحين يتراجع الضغط العربي والدولي، وحين تتحول الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى ملف قابل للمساومة أو التأجيل.
ورغم ذلك، فإن الموقف الفلسطيني والأردني ظل ثابتاً في الدفاع عن القدس والمقدسات ورفض مشاريع التهويد والضم، انطلاقاً من إدراك خطورة المشروع الصهيوني على مستقبل المنطقة بأسرها، وليس على فلسطين وحدها. فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً شأناً فلسطينياً داخلياً، بل كانت وما زالت قضية الأمن القومي العربي، وقضية العدالة والحق في مواجهة الاحتلال والاستعمار.
لكن السؤال المؤلم يبقى: لماذا نجحت أمم أخرى في بناء قوتها ومشروعها الحضاري، فيما ما زال العالم العربي يراوح مكانه؟
كيف استطاعت دول كاليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية أن تتحول من دول تعاني الفقر والحروب إلى قوى اقتصادية وعلمية كبرى، بينما بقيت الأمة العربية أسيرة الانقسامات والصراعات الداخلية والتبعية السياسية والاقتصادية؟
المشكلة لم تكن يوماً في الإمكانات أو الثروات أو الموقع الجغرافي، بل في غياب المشروع، وغياب الإدارة الرشيدة، وغياب الإرادة السياسية القادرة على توحيد الطاقات وتوجيهها نحو التنمية والتحرر وبناء الإنسان.
لقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، بل تُهزم حين تفقد وحدتها وثقتها بنفسها وقدرتها على إنتاج مشروع حضاري جامع. وما تعيشه الأمة اليوم من تراجع هو نتيجة تراكمات طويلة من الانقسامات والتشرذم وغياب الأولويات الوطنية والقومية.
ومع كل هذا الألم، يبقى الأمل قائماً.
فالأمم الحية قد تتعثر لكنها لا تموت، والشعوب التي تمتلك إرادة الصمود قادرة على النهوض مهما اشتدت الأزمات. والشعب الفلسطيني، رغم الجراح والحصار والحروب، ما زال يقدم نموذجاً استثنائياً في التمسك بالأرض والهوية والحقوق الوطنية.
إن العيد الحقيقي لن يكون بالمظاهر والاحتفالات فقط، بل حين تستعيد الأمة وحدتها وكرامتها وقدرتها على حماية مقدساتها وحقوق شعوبها، وحين يتحول التضامن العربي من بيانات وخطابات إلى مشروع سياسي واستراتيجي حقيقي.
ويبقى قول الله تعالى هو الحقيقة الثابتة التي لا تتغير:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فالتغيير يبدأ من الوعي، ومن مراجعة الذات، ومن إعادة بناء المشروع الوطني والقومي على أسس الوحدة والعدالة والكرامة والحرية. عندها فقط يمكن أن يعود العيد عيداً، وتعود للأمة قدرتها على صناعة مستقبلها، بدل البقاء رهينة للأزمات والانكسارات.