الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني المتبلور وتداعياته على إسرائيل ونتنياهو

تحولات إقليمية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط

مايو 24, 2026 - 09:44
الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني المتبلور وتداعياته على إسرائيل ونتنياهو

الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني المتبلور وتداعياته على إسرائيل ونتنياهو
تحولات إقليمية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة مفصلية في ظل الحديث المتصاعد عن تفاهمات أمريكية ـ إيرانية آخذة بالتبلور، وسط مؤشرات سياسية وأمنية تؤكد وجود توجه دولي نحو احتواء التصعيد وإعادة ترتيب أولويات الصراع في المنطقة. وفي الوقت الذي ترى فيه واشنطن أن التفاهم مع إيران قد يفتح الباب أمام تهدئة إقليمية واسعة، تنظر إسرائيل، وخصوصاً حكومة بنيامين نتنياهو، إلى هذه التفاهمات باعتبارها تهديداً مباشراً لعقيدتها الأمنية ولمكانتها التقليدية في الاستراتيجية الأمريكية.
وقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن حالة قلق عميق داخل المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل من الوثيقة التي يجري التفاوض حولها، حيث تعتبر تل أبيب أن مجرد العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران يمثل بحد ذاته خسارة استراتيجية، حتى قبل الإعلان عن الصيغة النهائية لأي اتفاق.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية في ظل ما يتردد عن أن التفاهمات المطروحة لا تتضمن تفكيك المشروع النووي الإيراني بصورة كاملة، ولا تفرض قيوداً صارمة على البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني، كما أنها لا تتناول بشكل حاسم طبيعة العلاقة بين إيران وحلفائها في المنطقة. والأهم من ذلك، أن دوائر القرار في إسرائيل باتت تشعر بأن الإدارة الأمريكية الحالية أقل اندفاعاً في تبني الرؤية الإسرائيلية التقليدية تجاه إيران والمنطقة.
وبحسب التسريبات المتداولة، فإن الاتفاق الجاري العمل عليه يتضمن وقفاً للتصعيد العسكري، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتأجيل الحسم النهائي في الملف النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة، إضافة إلى الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وهذه البنود تعكس توجهاً أمريكياً يقوم على إدارة الصراع واحتواء التوتر بدلاً من الذهاب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
إن جوهر القلق الإسرائيلي ينبع من إدراك تل أبيب أن أي تفاهم أمريكي ـ إيراني يعني عملياً سقوط استراتيجية “الضغط الأقصى” التي عملت إسرائيل على تكريسها طوال السنوات الماضية، كما أنه يمنح إيران مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية وتعزيز نفوذها الإقليمي.
لقد راهنت حكومة بنيامين نتنياهو طويلاً على خيار التصعيد وعلى إبقاء الولايات المتحدة في حالة مواجهة دائمة مع إيران، واعتبرت أن أي اتفاق لا يقوم على تفكيك شامل للبنية النووية والصاروخية الإيرانية يمثل تهديداً مباشراً للأمن الإسرائيلي. ولذلك فإن العودة إلى المفاوضات تمثل ضربة سياسية ومعنوية لنتنياهو الذي جعل من “الخطر الإيراني” محوراً أساسياً في مشروعه السياسي والأمني.
كما أن هذه التطورات تأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمات داخلية متراكمة، بدءاً من الانقسامات السياسية، مروراً بتداعيات الحرب في غزة، ووصولاً إلى التراجع الاقتصادي والتآكل المتزايد في صورة الردع الإسرائيلي. وهو ما يجعل أي تحول في الموقف الأمريكي مصدر قلق إضافي لحكومة نتنياهو التي تخشى فقدان الغطاء السياسي والدعم غير المشروط الذي اعتادت عليه.
وفي هذا السياق، بدأت بالفعل حملة ضغط واسعة يقودها اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الكونغرس الأمريكي لمحاولة تعطيل أي اتفاق محتمل مع إيران، عبر الدفع نحو فرض شروط أكثر تشدداً تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران. غير أن التحولات داخل الولايات المتحدة، والانقسام السياسي الداخلي، وتغير أولويات الإدارة الأمريكية، كلها عوامل قد تحد من قدرة هذا اللوبي على فرض رؤيته بالكامل كما كان يحدث في مراحل سابقة.
إقليمياً، قد يقود الاتفاق المحتمل إلى مرحلة جديدة من خفض التصعيد، خصوصاً إذا ترافق مع تفاهمات أمنية أوسع تشمل أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي. كما أن أي تهدئة بين واشنطن وطهران ستنعكس بصورة مباشرة على ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الحرب في غزة، والتوتر في البحر الأحمر، ومستقبل العلاقات الإقليمية.
ومن الناحية السياسية والقانونية، فإن اللجوء إلى التفاوض وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية ينسجم مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي يؤكد ضرورة تجنب الحروب واعتماد الحوار كوسيلة لحل النزاعات الدولية. كما أن هذه التفاهمات تعكس إدراكاً متزايداً لدى واشنطن بأن سياسة العقوبات والضغوط القصوى لم تحقق الأهداف المرجوة في تغيير السلوك الإيراني أو إنهاء نفوذ طهران الإقليمي.
إن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بملف نووي أو تفاهمات أمنية عابرة، بل يعكس تحولات أعمق في موازين القوى الدولية والإقليمية، ويؤشر إلى مرحلة جديدة تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة صياغة حضورها في الشرق الأوسط وفق حسابات المصالح والاستقرار، بعيداً عن منطق الحروب المفتوحة.
وفي المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام واقع استراتيجي جديد يتراجع فيه هامش قدرتها على التأثير المطلق في القرار الأمريكي، فيما يواجه نتنياهو تحديات سياسية غير مسبوقة قد تجعل من هذا الاتفاق نقطة تحول في مستقبله السياسي وفي شكل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
ويبقى السؤال الأهم: هل يشكل هذا الاتفاق بداية لمرحلة استقرار إقليمي حقيقي، أم أنه مجرد هدنة سياسية مؤقتة تؤجل انفجار الصراع إلى مرحلة لاحقة؟