المؤتمر الثامن لحركة فتح وإشكالية العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير

مايو 15, 2026 - 13:20
مايو 15, 2026 - 13:21
المؤتمر الثامن لحركة فتح وإشكالية العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير

المؤتمر الثامن لحركة فتح وإشكالية العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير

قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في تحديات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية وخطورة في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، في ظل حرب مفتوحة على الشعب الفلسطيني، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان ومحاولات الضم، وتراجع فرص الحل السياسي، إلى جانب أزمات داخلية تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني وآليات تجديد شرعيته ومؤسساته.

وفي خضم النقاشات المطروحة داخل المؤتمر، برز الحديث عن ضرورة إيجاد “مسافة” بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية باعتباره أحد العناوين الرئيسية المرتبطة بالإصلاح السياسي والإداري والتنظيمي. غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومدى إمكانية الفصل بين هذه المكونات في ظل وحدة القيادة وتشابك الأدوار وتداخل المصالح السياسية والتنظيمية والإدارية.

فالمعادلة القائمة منذ سنوات تجعل من رئيس حركة فتح هو ذاته رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما أوجد حالة من التداخل البنيوي بين المؤسسات الوطنية والتنظيمية، وأدى إلى اختلاط الوظائف السياسية والتنظيمية والإدارية، الأمر الذي بات يشكل أحد أبرز التحديات أمام تطوير النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية.

أولاً: خصوصية الحالة الفلسطينية بين حركة التحرر وبناء السلطة

لفهم طبيعة هذا التداخل، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي والسياسي لتطور النظام السياسي الفلسطيني.

فحركة فتح لم تكن مجرد حزب سياسي تقليدي، بل قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة باعتبارها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وتمكنت من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

ومع إنشاء السلطة الفلسطينية عقب اتفاق أوسلو، انتقلت الحركة عملياً من قيادة مشروع تحرري إلى إدارة سلطة حكم ذاتي ذات صلاحيات محدودة تحت الاحتلال، ما أدى إلى تحول عميق في طبيعة الدور السياسي والتنظيمي للحركة.

ومنذ ذلك الحين، تشكلت معادلة معقدة امتزجت فيها:

الشرعية الثورية، والشرعية التنظيمية، والشرعية المؤسسية،

ومتطلبات الإدارة والحكم.

وبمرور الوقت، أصبح من الصعب الفصل بين ما هو وطني وما هو تنظيمي، وبين القرار الحكومي والقرار الحركي، خاصة في ظل غياب الانتخابات العامة لفترات طويلة واستمرار الانقسام السياسي الفلسطيني.

ثانياً: معضلة وحدة القيادة وتداخل الصلاحيات

تكمن جوهر الإشكالية في أن المرجعيات الثلاث الكبرى في النظام السياسي الفلسطيني تتمحور حول قيادة واحدة:

رئاسة حركة فتح، رئاسة السلطة الفلسطينية، ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية.

ورغم أن هذا النموذج ساهم تاريخياً في الحفاظ على وحدة القرار الوطني الفلسطيني في مراحل معينة، إلا أنه في المقابل أوجد حالة من التداخل بين مؤسسات يفترض أن تمتلك وظائف مختلفة:

فحركة فتح تمثل إطاراً سياسياً وتنظيمياً له رؤيته وبرنامجه الداخلي.

بينما السلطة الفلسطينية يفترض أن تكون مؤسسة وطنية جامعة تُدار وفق مبادئ الحياد والكفاءة وخدمة جميع المواطنين دون تمييز سياسي.

أما منظمة التحرير الفلسطينية فهي المرجعية الوطنية العليا المفترض أن تضم مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية.

لكن غياب الحدود الواضحة بين هذه المستويات الثلاثة أدى إلى تشابك الأدوار والمسؤوليات، وأنتج حالة يرى فيها كثيرون أن التنظيم والسلطة باتا متداخلين بصورة تؤثر على الأداء المؤسسي والثقة العامة.

ثالثاً: الانتخابات المحلية نموذجاً لأزمة التداخل

أظهرت انتخابات الهيئات المحلية والبلديات خلال السنوات الماضية حجم التداخل القائم بين التنظيم والسلطة، حيث برزت ظواهر متعددة من بينها:

ترشح شخصيات تجمع بين النفوذ التنظيمي والموقع الوظيفي الرسمي،

وتداخل الاعتبارات الإدارية والسياسية في بعض البيئات المحلية،

وتحول المنافسة أحياناً إلى صراع مراكز قوى داخل الحركة ذاتها.

كما أن مشاركة عدد كبير من موظفي السلطة وأصحاب المواقع الإدارية والأمنية في المؤتمر الثامن لحركة فتح تعكس الطبيعة المركبة للعلاقة بين البنية التنظيمية للحركة والبنية الإدارية للسلطة الفلسطينية.

وهذا الواقع لا يعني بالضرورة وجود مخالفة قانونية مباشرة، لكنه يطرح تساؤلات سياسية ومؤسسية حول مدى تحقق الحياد الإداري وتكافؤ الفرص، وحول قدرة مؤسسات السلطة على الحفاظ على مسافة متوازنة من جميع القوى السياسية.

رابعاً: البعد القانوني والدستوري

من الناحية القانونية، لا يحظر القانون الأساسي الفلسطيني على رئيس السلطة أو المسؤولين العموميين الانتماء الحزبي أو تولي مواقع تنظيمية، لكن جوهر المسألة يتعلق بمبادئ الحوكمة الرشيدة والفصل الوظيفي بين الدولة والتنظيم السياسي.

فالأنظمة الديمقراطية الحديثة تقوم على ضمان حيادية المؤسسات العامة ومنع تضارب المصالح وحماية تكافؤ الفرص السياسية، بما يضمن عدم توظيف النفوذ الإداري أو الموارد العامة لصالح أي جهة حزبية.

وفي الحالة الفلسطينية، ساهمت عدة عوامل في تعميق حالة التداخل، أبرزها:

غياب الدولة المستقلة كاملة السيادة، استمرار الاحتلال الإسرائيلي،

تعطل الانتخابات التشريعية والرئاسية، غياب المجلس التشريعي الفاعل، والانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني.

وهي ظروف دفعت باتجاه تركّز الصلاحيات وتوسّع التداخل بين المستويات الوطنية والتنظيمية والإدارية.

خامساً: التحدي الاستراتيجي أمام حركة فتح والنظام السياسي الفلسطيني

التحدي الحقيقي الذي يواجه حركة فتح اليوم لا يقتصر على إعادة ترتيب البيت التنظيمي الداخلي، بل يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ككل.

فالسؤال المركزي المطروح يتمثل في: كيف يمكن الحفاظ على الدور التاريخي لحركة فتح في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، وفي الوقت ذاته بناء مؤسسات سياسية وإدارية أكثر استقلالاً وحيادية وكفاءة؟

وهنا تظهر معادلة دقيقة وحساسة:

ففتح تمثل العمود السياسي الأساسي للنظام الفلسطيني،

والسلطة الفلسطينية تمثل الإطار الإداري والسياسي للحياة اليومية للفلسطينيين،

ومنظمة التحرير تمثل المرجعية الوطنية الجامعة.

لكن استمرار التداخل دون ضوابط مؤسسية واضحة قد يؤدي مع مرور الوقت إلى: تآكل الثقة الشعبية، وإضعاف التعددية السياسية،

وتراجع فعالية المؤسسات، وخلط المسؤوليات بين ما هو تنظيمي وما هو وطني عام.

سادساً: نحو رؤية إصلاحية مستقبلية

إن الحديث عن “مسافة” بين الحركة والسلطة لا ينبغي فهمه باعتباره صراعاً بين الطرفين، بل باعتباره جزءاً من عملية تطوير وإصلاح للنظام السياسي الفلسطيني بما يحقق التوازن بين متطلبات النضال الوطني ومتطلبات بناء المؤسسات.

ومن هنا، فإن أي رؤية إصلاحية مستقبلية تحتاج إلى:

إعادة الاعتبار لمبدأ الفصل المؤسسي بين التنظيم والإدارة العامة.

تعزيز استقلالية القضاء والرقابة والمساءلة.

إجراء انتخابات شاملة تعيد إنتاج الشرعيات الوطنية.

تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الشراكة الوطنية.

حماية الوظيفة العامة من الاستقطاب السياسي والتنظيمي.

تعزيز الكفاءة والشفافية في التعيينات والإدارة.

تطوير ثقافة سياسية تقوم على التعددية واحترام الاختلاف.

خاتمة

إن النقاش المطروح داخل المؤتمر الثامن لحركة فتح حول العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التحديات التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني في هذه المرحلة المفصلية.

غير أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة وطنية شاملة تقوم على الإصلاح المؤسسي وتعزيز المشاركة السياسية وتجديد الشرعيات، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الصراع الداخلي.

فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم تحديات وجودية غير مسبوقة، ما يستدعي بناء نظام سياسي أكثر قدرة على التكيف والصمود، وأكثر استجابة لتطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعدالة والديمقراطية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام حركة فتح، باعتبارها الحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود، هو قدرتها على الجمع بين الحفاظ على دورها التاريخي وبين المساهمة في بناء نموذج سياسي فلسطيني حديث، يقوم على الشراكة والحوكمة الرشيدة وسيادة القانون واحترام التعددية السياسية، بما يعزز وحدة الشعب الفلسطيني وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية المقبلة.