الأصفار على اليمين: رسالة إلى المتدافعين على مواقع القيادة في المؤتمر الحركي الثامن

محمد قاروط أبو رحمه

مايو 14, 2026 - 16:12
الأصفار على اليمين: رسالة إلى المتدافعين على مواقع القيادة في المؤتمر الحركي الثامن

الأصفار على اليمين: رسالة إلى المتدافعين على مواقع القيادة في المؤتمر الحركي الثامن

محمد قاروط أبو رحمه

إخوتي وأبنائي المتدافعين نحو مواقع القيادة في المؤتمر الحركي الثامن،

بعد رحلة امتدت أكثر من خمسة عقود بين الميدان العسكري والعمل التنظيمي والإداري والتدريب الفكري، تعلمت حقيقة عميقة:

ليست كل الأرقام متساوية، وليست كل المواقع تصنع قيمة. فالصفر وحده لا يساوي شيئاً، لكنه حين يقف في المكان الصحيح يصبح مضاعفاً للقوة والأثر.

ومن هنا جاءت فلسفتي التي آمنت بها طويلاً:

هناك من يختار أن يكون "صفراً على اليمين"، وهناك من يرضى بالبقاء "صفراً على اليسار."

الصفر على اليمين لا يعيش لنفسه، بل يمنح من حوله قيمة مضاعفة. يقف بجوار الحركة لا فوقها، ويحمل المشروع الوطني لا يستثمره لمصلحته الشخصية.

أما الصفر على اليسار، فيبقى أسير الموقع الشكلي؛ موجود في المشهد، لكنه بلا أثر حقيقي، يختبئ خلف الضجيج والشعارات، ويخشى لحظة المواجهة وتحمل المسؤولية.

 

إن أخطر ما يواجه أي حركة تحرر ليس نقص الإمكانيات، بل تسابق البعض نحو المواقع دون فهم معنى "الموقع". فالموقع القيادي ليس امتيازاً، بل امتحان أخلاقي.

 القيادة ليست مقعداً يُنتزع، بل قدرة على حماية الضعيف، واتخاذ القرار في اللحظة الصعبة، وتحمل تبعات الموقف حين يهرب الآخرون.

 

لقد رأيت خلال مسيرتي الطويلة كثيرين يغرقون في التنظير والخطابات، لكنهم يتراجعون عند أول اختبار حقيقي. هؤلاء أسرى "اليسار المريح"؛ يفضلون الاحتماء بالكلمات بدل النزول إلى الميدان. أما القائد الحقيقي، فهو الذي يحول الفكرة إلى فعل، والخوف إلى مسؤولية، والضعف إلى دافع للتغيير.

أيها المتنافسون على المواقع، اسألوا أنفسكم بصدق:
هل نريد القيادة لخدمة الحركة أم لخدمة ذواتنا؟
هل نسعى لنكون أصفاراً على اليمين ترفع قيمة المشروع الوطني، أم أصفاراً على اليسار تذوب في زحام المصالح والاصطفافات؟
هل نحن مستعدون لتحمل ثمن القرار إذا اقتضت مصلحة الحركة والوطن ذلك؟

 

لقد علمتني الحياة أن الإنسان خُلق ضعيفاً، لكن الضعف ليس عيباً. العيب الحقيقي هو الهروب من الفعل، والاختباء في هامش الأمان، والخوف الدائم من التجربة. القائد الحقيقي لا يدّعي الكمال، بل يعرف ضعفه ويحول هذا الإدراك إلى حكمة واتزان وإنسانية.

ومن هنا جاءت قناعتي بما أسميه "شفرة الصفير"؛ أي قدرة الإنسان على إيجاد الحلول حين تغيب الوسائل. ففي اللحظات الصعبة لا تنقذنا كثرة الأدوات، بل تنقذنا العقول القادرة على تحويل القليل إلى أثر، والفوضى إلى نظام، واليأس إلى أمل.

الحركة اليوم لا تحتاج أصحاب أصوات مرتفعة، بل تحتاج رجالاً ونساءً يمتلكون مهارة "الصفير في العتمة"؛ أي القدرة على التنبيه والإنقاذ وصناعة الأثر بأقل الإمكانيات.

 

إن المؤتمر الحركي الثامن ليس مجرد محطة انتخابية، بل لحظة مراجعة أخلاقية وتنظيمية. فرصة لإعادة بناء الثقة بين القيادة والقاعدة، وبين القرار والإنسان، وبين التنظيم وروحه الوطنية. فلا تجعلوا المنافسة تتحول إلى معركة مواقع، لأن الحركة التي تتحول فيها القيادة إلى غنيمة، تفقد روحها تدريجياً.

تذكروا دائماً: إن الرتبة والمرتبة تزول، والموقع يتغير، لكن الأثر يبقى.
والتاريخ لا يتذكر من جلس على الكرسي، بل من حمل همّ الشعب والوطن بعدل ورحمة واتزان.

كونوا أصفاراً على اليمين
تضاعفون قيمة الحركة، وتحفظون كرامة الناس، وتمنحون المشروع الوطني وزنه الحقيقي.

فالقوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على خدمة الناس بتواضع، والوقوف في موقع المسؤولية دون خوف أو استعلاء.

والله من وراء القصد.