فلسفة القوس والماء: حركة "فتح" واستقامة المسار
رسالة إلى أعضاء المؤتمر العام الثامن
فلسفة القوس والماء: حركة "فتح" واستقامة المسار
رسالة إلى أعضاء المؤتمر العام الثامن
محمد قاروط أبو رحمه
إلى الإخوة ورفاق الدرب، حراس الحلم وسدنة المشروع الوطني؛
يُروى عن أبو حامد الغزالي قوله: «إن تمام استقامة القوس في اعوجاجه، ولولا اعوجاجه ما رمى». وهذه ليست عبارة بلاغية عابرة، بل مفتاح لفهم سنن البقاء في السياسة كما في الحياة. فالقوس لا يحقق غايته إلا حين ينحني، ولو استقام قسرًا لفقد وظيفته وعجز عن إصابة هدفه. وهنا تتجلى الحكمة التي ينبغي أن تُستحضر في هذه اللحظة المفصلية: ليس كل اعوجاج خللًا، بل قد يكون شرطًا للدقة والاستمرار.
إن حركة "فتح" لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا في جغرافيا سهلة، بل مسارًا حيًا في حقل ألغام سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن ما قد يبدو للبعض تعرّجًا، هو في حقيقته مرونة وظيفية؛ مرونة تحمي الفكرة من الانكسار، وتحفظ المشروع من الجمود. فالحركات التي تتصلّب تنكسر، أما التي تمتلك حكمة الانحناء فتبقى.
يا أعضاء المؤتمر… لا تخافوا من التعرجات.
تأملوا الحاجب: لو استقام لفقد وظيفته وجماله. وتأملوا الماء: لا يجري في خطوط مستقيمة، بل يتموّج، يلتف حول الصخور، وينحني مع تضاريس الأرض، لكنه لا يتوقف عن الجريان. في حركته حياة، وفي تدفّقه نقاء؛ إذ ينقّي نفسه من الشوائب، لأن السكون مدخل الفساد، والحركة سرّ البقاء.
*هكذا ينبغي أن تُفهم "فتح": ليست صلابة الخشب التي تنتهي بالكسر، بل مرونة الماء التي تنتهي بالوصول.*
إن استقامتها الحقيقية ليست في شكل المسار، بل في ثبات الوجهة. هي استقامة المبدأ مع مرونة الوسيلة؛ ثبات على الهدف، وحكمة في الطريق. فالنهر، مهما تعرّج، يظل صادقًا في اتجاهه نحو المصب.
لقد أثبتت التجربة أن الجمود، مهما بدا صلبًا، قصير العمر، وأن المرونة الواعية هي التي تصنع الديمومة. ومن هنا، فإن قوة "فتح" لم تكن في تجنّب الانحناء، بل في قدرتها على الانحناء دون أن تنكسر، وعلى التكيّف دون أن تفقد هويتها.
الخاتمة:
إن المؤتمر العام الثامن ليس لحظة كسر، بل لحظة ضبطٍ لوتر القوس؛ ليكون الرمي أدق، والمسار أوضح، والهدف أقرب. تذكّروا أن "فتح" كالماء: قد ينحني مسارها لتجاوز العقبات، لكنها تظل مستقيمة في مقصدها، جاريةً بإرادةٍ لا تنقطع، حتى تبلغ بحرها… بحر الحرية والدولة والعودة.
فلا تخشوا المرونة؛
فهي التي تجعل القوس يُصيب،
وهي التي تجعل النهر يصل.



