فطرة القط والارنب بين نتنياهو وترمب.
محمد قاروط أبو رحمه
فطرة القط والارنب بين نتنياهو وترمب.
محمد قاروط أبو رحمه
تُقدم الطبيعة أحياناً نماذج سلوكية مدهشة تفسر أعقد العلاقات السياسية؛ ومن أغرب هذه النماذج ما يمكن تسميته "صراع السيادة الصامت" بين القط والأرنب. في عالم القطط، يُعد "التنظيف" رمزاً للهيمنة؛ فالقط المسيطر هو من يقوم بتنظيف الأقل شأناً لفرض سلطته. أما في عالم الأرانب، فالعكس تماماً؛ الأرنب الأقل رتبة هو من ينظف "الأرنب المهيمن" تعبيراً عن الطاعة.
عندما يلتقي قط بأرنب ويبدأ أحدهما بتنظيف الآخر، نكون أمام "سوء فهم وجودي": القط ينظف الأرنب معتقداً أنه يفرض سيطرته عليه، بينما يستمتع الأرنب بالتنظيف معتقداً أن القط يخضع له ويخدمه. هذا المشهد يختزل ببراعة ديناميكية العلاقة بين دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو.
ترمب: "عقلية القط" والسيادة الاستعراضية
يتحرك دونالد ترمب بعقلية "القط المهيمن". بالنسبة له، الدعم المطلق، نقل السفارة، والاعتراف بالسيادة هي عمليات "تنظيف" سياسي يقوم بها للأطراف الأقل قوة (من وجهة نظره) ليؤكد أنه السيد المطاع والمانح الأوحد. يرى ترمب في "تدليله" لنتنياهو وسيلة لإثبات أنه "الكل في الكل"، وأن نتنياهو مجرد لاعب في فلك الإدارة الأمريكية.
نتنياهو: "عقلية الأرنب" والسيطرة بالاستيعاب
في المقابل، يتقن نتنياهو "ثقافة الأرنب" ببراعة سياسية فائقة. هو لا يمانع أن يظهر في صورة "المتلقي" للدعم والخدمات؛ بل إنه يطالب بها ويحفزها.
بالنسبة لنتنياهو، قيام ترمب بتنظيف مساره السياسي وتذليل العقبات أمامه ليس دليلاً على خضوعه، بل هو دليل على نجاحه في "تسخير" القوة الأمريكية لخدمة أجندته. هو الأرنب الذي أقنع القط أن وظيفته الوحيدة هي تنظيفه.
الوهم المشترك: من يسيطر على من؟
المفارقة الكبرى تكمن في تلك اللحظات التي يظهر فيها الزعيمان معاً؛ ترمب يربت على كتف نتنياهو كأنه يمنحه صك الغفران (منطق القط)، ونتنياهو يتقبل ذلك بابتسامة الواثق الذي يرى في هذا السلوك تنفيذاً لرغباته (منطق الأرنب).
كل طرف في هذه العلاقة يعيش "نشوة السيطرة" من منظوره الخاص:
ترمب يغادر اللقاء وهو يشعر أنه "البيغ بوس" الذي أطعم ونظف حليفه.
نتنياهو يغادر اللقاء وهو يشعر أنه "الداهية" الذي جعل القوة العظمى تعمل لديه كخادم خاص.
في سياسة "القط والأرنب" بين واشنطن وتل أبيب، لا يهم من ينظف الآخر فعلياً، بل المهم أن كلاً منهما يعود إلى جمهوره ليعلن انتصاره في معركة السيادة، بينما الحقيقة هي توازن هش من الأوهام المتبادلة



