انفصام العيد: مقاربة عيد الفطر في العالم الرقمي تحت وطأة الحرب
صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
يأتي عيد الفطر المبارك حاملاً معه دلالات الفرح والاجتماع، إلا أن المشهد في السنوات الأخيرة، وتحديداً في ظل الأزمات والحروب التي تعصف بالمنطقة، كشف عن فجوة عميقة وحالة من "الانفصام الرقمي". هذه الحالة تتجلى في التباين الصارخ بين ما تعرضه الشاشات والمنصات الرقمية من مظاهر احتفالية، وبين الواقع المرير الذي يعيشه الإنسان على الأرض تحت وطأة الحواجز، والاقتحامات المتكررة، وحالة الترقب والقلق الدائم التي تفرضها ظروف الضفة الغربية. لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسيلة للربط الإنساني إلى مرآة تعكس انفصاماً مجتمعياً؛ حيث يختلط "الستوري" الاحتفالي بخبر عاجل عن إغلاق طريق أو اقتحام بلدة، مما يولد صدمة شعورية تفقد العيد قدسيته ومعناه.
في الوقت الذي تغيب فيه مظاهر البهجة التقليدية في مدن وقرى الضفة الغربية، حيث تحل أصوات المداهمات وصفارات الإنذار محل تكبيرات العيد، يضج الفضاء الرقمي بسيل من التهاني المعلبة والصور المنمقة. هذا التباين يخلق نوعاً من الاغتراب النفسي لدى المستخدم؛ فهو يعيش في واقعين متناقضين تماماً في آن واحد. فالخطاب السائد في العالم الرقمي يميل إلى التهاني المعلبة وعبارات "كل عام وأنتم بخير" والملصقات الملونة، بينما الواقع الميداني يصدح بشعار "لسنا بخير"، وتتعالى فيه دعوات الثبات والصمود في وجه التحديات اليومية. أما المحتوى البصري، فيعرض صور موائد العيد والملابس الجديدة والفلاتر المبهجة على الشاشات، في حين يظهر الواقع إغلاقات الطرق، نقاط التفتيش، وصور المنازل المهدمة. وحتى التفاعل الاجتماعي يختلف جذرياً؛ ففي العالم الرقمي نجد إعجابات وتعليقات سريعة وتفاعلاً خوارزمياً، بينما في الواقع الحقيقي يكون التواصل الإنساني مثقلاً بالهموم المشتركة، وتكثر زيارات الأسرى والجرحى. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالتسويق الرقمي يواصل ضخ الإعلانات الممولة لمنتجات الرفاهية والحلويات، في الوقت الذي تتصاعد فيه نداءات الاستغاثة وحملات التبرع لدعم العائلات المتضررة، ويعاني الناس من شح في الموارد بسبب القيود الاقتصادية.
من منظور مهني في التسويق الرقمي، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى وأخلاقيات الحملات الإعلانية "الأوتوماتيكية" خلال الأزمات. إن استمرار الخوارزميات في ضخ محتوى استهلاكي مبهج في بيئة مثقلة بالجراح يعزز حالة الانفصام. فغالباً ما تغيب الحساسية السياقية لدى العديد من العلامات التجارية، فتفشل في مواءمة خطابها الرقمي مع الواقع المحلي، مما يظهرها بمظهر المنفصل عن الواقع. ويجد المستخدم نفسه في حالة من الاستلاب الرقمي، مجبراً على استهلاك محتوى لا يمت لواقعه بصلة، مما يزيد من حدة الضغط النفسي والاضطراب القيمي، خاصة عندما يكون محاطاً بواقع يفرض عليه تحديات وجودية يومية.
إن الخروج من حالة الانفصام هذه يتطلب إعادة صياغة الوجود الرقمي خلال الأزمات. لا يعني ذلك إلغاء مظاهر العيد، بل تطويع الأدوات الرقمية لتكون صوتاً للواقع لا قناعاً يخفيه. يجب أن يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية نحو التوثيق الإنساني، بتحويل المنصات إلى سجلات حية للصمود والترابط الاجتماعي الحقيقي في مواجهة التحديات. كما ينبغي أن يتحول التسويق الرقمي إلى تسويق قيمي، يستبدل الخطاب الاستهلاكي بخطاب تضامني يدعم القضايا العادلة ويراعي المشاعر العامة، ويسلط الضوء على معاناة الناس في الضفة الغربية.
يبقى عيد الفطر في جوهره شعيرة دينية وإنسانية تتجاوز الشاشات. وإن حالة الانفصام التي نعيشها اليوم هي جرس إنذار يدعونا لاستعادة "إنسانية الرقمية"، بحيث لا يكون العالم الافتراضي مهرباً من الواقع، بل أداة لتغييره وتسليط الضوء على آلامه وآماله، وخاصة في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها أهلنا في الضفة الغربية.
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي





