حرب إيران ومضيق هرمز: اختبار القوة الأمريكية بين الاستنزاف وحدود الهيمنة
المحامي علي أبو حبلة
حرب إيران ومضيق هرمز: اختبار القوة الأمريكية بين الاستنزاف وحدود الهيمنة
المحامي علي أبو حبلة
في لحظة دولية شديدة التعقيد، تقف الولايات المتحدة أمام واحد من أخطر الاختبارات الاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، مع اتساع رقعة المواجهة مع إيران وتحوّل مضيق هرمز إلى بؤرة صراع قد تعيد رسم موازين القوى العالمية. فالحرب التي اندفعت إليها إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحت عناوين الردع والحسم السريع، أخذت منحىً مختلفاً، لتكشف عن مأزق مركب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
لم تعد القضية مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل باتت اختباراً حقيقياً لهيبة القوة الأمريكية، ولمدى قدرتها على فرض إرادتها في عالم يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية.
غوغائية القرار وشوفينية القوة
منذ بدايات التصعيد، اتسمت مواقف الرئيس ترامب بنزعة اندفاعية أقرب إلى “غوغائية القرار” و”شوفينية القوة”، حيث جرى التعاطي مع الحرب بمنطق الصفقات السريعة لا بمنطق الاستراتيجيات بعيدة المدى. هذا النمط من التفكير، القائم على تحقيق “نصر إعلامي سريع”، دفع الإدارة الأمريكية إلى الانخراط في صراع معقد دون حسابات دقيقة للكلفة أو لسيناريوهات المآل.
وفي هذا السياق، يبدو أن ترامب قد وقع في فخ الحسابات الإسرائيلية، حيث نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي في جرّ الولايات المتحدة إلى مسار تصعيدي يخدم الرؤية الإسرائيلية القائمة على إضعاف إيران استراتيجياً، حتى لو كان الثمن انزلاق المنطقة إلى حافة “سياسة الأرض المحروقة”.
مضيق هرمز: عقدة الصراع ومفتاح التحول
يمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وبالتالي، فإن أي تهديد لإغلاقه لا يقتصر أثره على المنطقة، بل يمتد ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.
في هذا الإطار، تبرز المقارنة التاريخية التي طرحها المستثمر والباحث في تاريخ الإمبراطوريات راي داليو، والتي تشير إلى أن فقدان السيطرة على مضيق هرمز قد يكون بالنسبة للولايات المتحدة شبيهاً بما شكلته أزمة العدوان الثلاثي 1956 بالنسبة لبريطانيا، حين شكّل ذلك الحدث بداية أفول الإمبراطورية البريطانية.
فالعبرة التاريخية هنا لا تكمن في الحدث ذاته، بل في “تصور القوة”: اللحظة التي يفقد فيها العالم ثقته بقدرة الدولة العظمى على حماية طرق التجارة الحيوية، تبدأ معها عملية التراجع الاستراتيجي.
إيران واستراتيجية الاستنزاف الطويل
على الجانب الآخر، لا تخوض إيران الحرب بمنطق الحسم العسكري، بل بمنطق “إدارة الزمن”. فهي تدرك أن نقطة ضعف الولايات المتحدة ليست في القوة العسكرية، بل في القدرة على تحمّل الحروب الطويلة.
تعتمد طهران على: إطالة أمد الصراع ورفع كلفة الحرب اقتصادياً عبر استهداف إمدادات الطاقة
هذه الاستراتيجية تعيد إلى الأذهان تجارب أمريكية سابقة في فيتنام وأفغانستان، حيث تحولت القوة العسكرية إلى عبء استراتيجي مع مرور الوقت.
تداعيات الحرب على دول المنطقة
تتحمل دول المنطقة، وخاصة دول الخليج، العبء الأكبر من تداعيات هذا الصراع: لما تشكله من تهديد مباشر لأمن الطاقة والمنشآت الحيوية وارتفاع حاد في أسعار النفط وتأثيراته على الاقتصاد العالمي
مخاطر توسع الصراع إلى مواجهات إقليمية مفتوحة
ضغوط سياسية على الدول الحليفة لواشنطن بين متطلبات الأمن والاستقرار كما أن استمرار الحرب يضع المنطقة أمام سيناريوهات خطيرة، قد تمتد إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتغيير أولويات الأمن القومي.
الداخل الإسرائيلي: مأزق الإنجاز وحدود القوة
في الداخل الإسرائيلي، لا تقل التحديات تعقيداً، إذ تواجه الحكومة معضلة مزدوجة: في ظل غياب إنجاز حاسم يمكن تسويقه داخلياً
تصاعد المخاوف من توسع الجبهات، خاصة في الشمال مع لبنان
كما أن استمرار الحرب دون حسم قد ينعكس على التوازنات السياسية الداخلية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول جدوى الخيارات العسكرية المفتوحة.
الانعكاسات على الولايات المتحدة: كلفة الهيمنة
الحرب على إيران تكشف عن أزمات بنيوية داخل الولايات المتحدة:
تضخم الدين العام وارتفاع كلفة العمليات العسكرية وتراجع الثقة الدولية بالدور الأمريكي في ظل تصاعد الانقسام الداخلي حول جدوى الحرب
احتمالات تأثيرها على الانتخابات والاستقرار السياسي
وفي هذا السياق، فإن أي فشل في فرض السيطرة على مضيق هرمز سيحمل دلالات عميقة، ليس فقط على مستوى الصراع الحالي، بل على مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي.
هل نحن أمام “لحظة السويس” الأمريكية؟
التاريخ يقدّم دروساً واضحة: القوى العظمى لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالتراجع عندما تفقد السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي وطرق التجارة الحيوية. كما حدث مع بريطانيا بعد أزمة السويس، فإن أي عجز أمريكي عن تأمين مضيق هرمز قد يؤدي إلى: تآكل الثقة بالدولار مع ما يرافقه من تراجع التحالفات الدولية وتسارع صعود قوى منافسة كالصين وهذا نتيجته إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي
وفي الخلاصه بين اختبار القوة وحدود الانحدار
إن الحرب على إيران لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لمستقبل الهيمنة الأمريكية. فبين خيار التصعيد الذي قد يقود إلى مواجهة شاملة، وخيار التراجع الذي يحمل كلفة سياسية، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة.
وإذا كان مضيق هرمز يمثل اليوم “عنق الزجاجة” في هذا الصراع، فإن نتائجه لن تحدد فقط مستقبل الحرب، بل قد ترسم ملامح النظام الدولي القادم.
في ضوء ذلك، لا يبدو السؤال المطروح هو كيف تنتهي هذه الحرب، بل: هل ستكون هذه الحرب بداية إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في العالم؟



