حماية الملكيات العقارية الفلسطينية في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية: قراءة قانونية واستراتيجية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مارس 12, 2026 - 17:10
حماية الملكيات العقارية الفلسطينية في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية: قراءة قانونية واستراتيجية

حماية الملكيات العقارية الفلسطينية في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية: قراءة قانونية واستراتيجية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
تشكل الأرض في الوعي الوطني الفلسطيني جوهر الصراع وأساسه، فهي ليست مجرد ملكية عقارية أو مورد اقتصادي، بل تمثل الهوية والوجود والاستمرارية التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه. ومن هذا المنطلق، فإن القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بسجلات الأراضي والملكيات العقارية في الضفة الغربية تمثل تطوراً خطيراً يستهدف تقويض أحد أهم مرتكزات الصمود الفلسطيني، وهو حق الملكية الخاصة للأرض.
لقد سبق أن أشرنا في أكثر من مناسبة إلى أن الصراع على الأرض في فلسطين لم يعد يقتصر على أدوات القوة العسكرية أو التوسع الاستيطاني المباشر، بل أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على أدوات قانونية وإدارية معقدة تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى إعادة تشكيل الواقع العقاري والقانوني بما يخدم مشروعها الاستيطاني ويقوض الحقوق الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تأتي التحذيرات الصادرة عن سلطة الأراضي الفلسطينية والدعوات الموجهة إلى المواطنين لتعزيز حماية ملكياتهم العقارية من خلال تسجيل الأراضي واستكمال إجراءات التسوية ومتابعة الأوضاع القانونية للملكيات، باعتبارها خطوة ضرورية في مواجهة هذه السياسات.
أولاً: البعد الاستراتيجي للقرارات الإسرائيلية
إن القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالكشف عن بيانات سجلات الأراضي أو توسيع صلاحيات سلطات الاحتلال في التعامل مع هذه السجلات لا يمكن النظر إليها بوصفها إجراءات إدارية عادية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم الخريطة العقارية في الضفة الغربية.
فإسرائيل تدرك أن السيطرة على الأرض لا تتحقق فقط عبر المصادرة المباشرة، بل يمكن تحقيقها أيضاً من خلال التحكم في النظام القانوني والإداري الذي ينظم الملكية العقارية. ومن هنا، فإن التدخل في سجلات الأراضي أو فرض آليات تسجيل وتسوية بديلة يشكل محاولة لإضعاف المنظومة القانونية الفلسطينية وفتح المجال أمام إعادة تصنيف الأراضي أو الطعن في ملكيات قائمة منذ عقود طويلة.
وتكتسب هذه الإجراءات خطورتها بشكل خاص في المناطق المصنفة (ج)، التي تشكل النسبة الأكبر من مساحة الضفة الغربية وتخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، حيث تسعى إسرائيل إلى تكريس سيطرة دائمة على هذه المناطق تمهيداً لضمها أو دمجها تدريجياً ضمن المنظومة الإدارية الإسرائيلية.
ثانياً: مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي
من الناحية القانونية، فإن أي تدخل من قبل سلطة الاحتلال في منظومة الملكية العقارية في الأراضي المحتلة يعد انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
فوفقاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يحق لسلطة الاحتلال مصادرة الممتلكات الخاصة أو إجراء تغييرات قانونية دائمة في الأراضي المحتلة، كما أن المادة (46) من لائحة لاهاي لعام 1907 تؤكد وجوب احترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها.
كما أن هذه الإجراءات تتعارض مع الالتزامات التي نشأت عن الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والتي أبقت إدارة الأراضي والسجلات العقارية ضمن اختصاص السلطة الفلسطينية.
وعليه، فإن أي محاولة إسرائيلية للتدخل في سجلات الأراضي الفلسطينية أو إنشاء منظومة تسجيل بديلة تمثل خرقاً قانونياً يمكن توثيقه واستخدامه في إطار المساءلة القانونية الدولية.
ثالثاً: التسوية الفلسطينية كأداة دفاع قانوني
في مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع واستكمال أعمال تسوية الأراضي في فلسطين باعتبارها أحد أهم الأدوات القانونية لحماية الملكيات الخاصة.
فالتسوية لا تقتصر على تسجيل الأراضي فحسب، بل تقوم على تثبيت الملكيات بشكل قانوني واضح وتحديد حدودها وتوثيقها في سجلات رسمية معتمدة، الأمر الذي يمنح أصحابها سندات ملكية قوية يصعب الطعن فيها مستقبلاً.
ومن هنا، فإن تسريع أعمال التسوية، خاصة في المناطق المهددة بالمصادرة أو الاستيطان، يشكل خطوة استراتيجية لتعزيز الحماية القانونية للأراضي الفلسطينية وإغلاق الثغرات التي قد تستغلها سلطات الاحتلال أو الجهات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني.
رابعاً: مسؤولية المواطنين في حماية ملكياتهم
إن حماية الأرض ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية جماعية تتطلب تعاون المواطنين ووعيهم القانوني.
وفي هذا الإطار، فإن هناك مجموعة من الإجراءات الضرورية التي ينبغي على المواطنين اتخاذها لتعزيز الحماية القانونية لملكياتهم، ومن أهمها:
تسجيل الأراضي غير المسجلة لدى الجهات المختصة.
استكمال معاملات حصر الإرث بعد وفاة المالك وعدم ترك الأراضي بأسماء متوفين.
تنظيم وكالات قانونية محددة الصلاحيات، خاصة بالنسبة للمغتربين.
توحيد التمثيل القانوني في حال الملكيات المشتركة بين عدة شركاء.
الحفاظ على الحيازة الفعلية للأرض من خلال زراعتها أو استثمارها وعدم تركها مهملة.
كما أن الاحتفاظ بالوثائق الرسمية والسندات والخرائط وتوثيق أي نشاط أو استخدام للعقار يمثل عاملاً مهماً في إثبات الملكية وحمايتها قانونياً.
خامساً: الحذر من عمليات الشراء المشبوهة
ومن أخطر الظواهر التي تستغلها الجهات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني ظاهرة شراء الأراضي عبر وسطاء أو شركات وهمية تستخدم واجهات تجارية لإخفاء أهدافها الحقيقية.
وقد حذرنا في أكثر من مناسبة من خطورة هذه الأساليب التي تسعى إلى تفتيت الملكية الفلسطينية وفتح ثغرات في الجدار القانوني الذي يحمي الأرض.
لذلك فإن أي عملية بيع أو نقل ملكية يجب أن تتم بحذر شديد وبعد التحقق من هوية الجهة المشترية والرجوع إلى الجهات الفلسطينية المختصة.
خاتمة
إن معركة الأرض في فلسطين ليست مجرد صراع جغرافي، بل هي معركة قانونية وسياسية واستراتيجية طويلة الأمد. والقرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بسجلات الأراضي والملكيات العقارية تمثل محاولة جديدة لفرض وقائع قانونية وإدارية قد يكون لها تأثير عميق على مستقبل الأرض الفلسطينية.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه السياسات تتطلب عملاً متكاملاً يجمع بين الجهد القانوني والدبلوماسي والمؤسسي، إلى جانب تعزيز الوعي القانوني لدى المواطنين وتشجيعهم على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية ملكياتهم.
فالأرض التي حُفظت عبر الأجيال بالتضحيات والصمود لا يمكن التفريط بها أو تركها عرضة للثغرات القانونية أو الإدارية. وحمايتها اليوم لم تعد واجباً وطنياً فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية للحفاظ على الحقوق الفلسطينية في مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والتاريخ معاً.
a.m.j.abuhableh @gmail.com