بين حسابات القوة وضغوط السياسة الداخلية ؟؟ هل يبحث ترامب عن مخرج من حرب إيران؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
بين حسابات القوة وضغوط السياسة الداخلية ؟؟ هل يبحث ترامب عن مخرج من حرب إيران؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تتزايد المؤشرات على وجود نقاشات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن حول مستقبل الحرب الدائرة مع إيران، وذلك في ظل تقارير إعلامية تحدثت عن نصائح يقدمها بعض مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضرورة التفكير في صياغة استراتيجية للخروج من المواجهة العسكرية. وقد أشارت صحيفة وول ستريت إلى أن بعض المقربين من الرئيس يدفعون باتجاه إعلان أن الأهداف الأساسية للعملية العسكرية قد تحققت إلى حد كبير، بما يتيح تقليص العمليات أو إنهاءها تدريجياً.
ورغم النفي الرسمي الصادر عن البيت الأبيض، فإن مجرد تداول هذا الطرح يعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة السياسية الأميركية لتعقيدات الحرب واحتمالات تحولها إلى صراع طويل الأمد يحمل كلفة سياسية واقتصادية متزايدة.
منذ بداية المواجهة، جرى تحديد مجموعة من الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية ضد إيران، أبرزها إضعاف البرنامج الصاروخي الإيراني، وتقليص قدراتها البحرية في الخليج، والحد من دعمها لحلفائها الإقليميين، ومنعها من تطوير سلاح نووي. غير أن تحقيق هذه الأهداف بصورة حاسمة يواجه تحديات كبيرة، نظراً لطبيعة القدرات العسكرية الإيرانية التي تعتمد على بنية موزعة ومنظومات ردع غير تقليدية، الأمر الذي يجعل حسم الصراع عسكرياً مسألة معقدة.
كما أن الحرب كشفت مرة أخرى حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى، إذ إن التفوق العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة، خاصة في ظل قدرة إيران على إدارة الصراع بأساليب غير تقليدية، سواء عبر القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة أو عبر شبكة من الحلفاء في الإقليم.
إلى جانب المعطيات العسكرية، تبرز الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة كعامل مؤثر في النقاش حول مستقبل الحرب. فاستمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة قد ينعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والوقود نتيجة التوتر في منطقة الخليج. كما أن بعض الأوساط السياسية الأميركية تبدي قلقاً من تأثير الحرب على المزاج العام للناخبين، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى وجود انقسام واضح داخل المجتمع الأميركي حول استمرار الحرب، حيث تميل قطاعات من الرأي العام إلى رفض الانخراط في صراع طويل في الشرق الأوسط، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة أثبتت أن الحروب الممتدة قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على صانعي القرار في واشنطن.
وفي الوقت نفسه، تبقى المعادلة الإقليمية عاملاً مهماً في تحديد مسار الحرب. فاستمرار العمليات العسكرية لا يرتبط فقط بالحسابات الأميركية، بل يتأثر أيضاً بمواقف حلفاء واشنطن في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل التي ترى في المواجهة مع إيران فرصة لإضعاف نفوذها العسكري والاستراتيجي.
غير أن اتساع نطاق الصراع يحمل مخاطر كبيرة على استقرار الشرق الأوسط، خاصة إذا امتدت المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى أو أثرت على أمن الممرات البحرية الحيوية في الخليج، وهو ما قد ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال أساسي يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه الولايات المتحدة نحو إعلان تحقيق أهدافها العسكرية والانتقال إلى مرحلة الردع السياسي والعسكري، أم أن الصراع مرشح للاستمرار ضمن نمط من حرب الاستنزاف التي قد تطول لسنوات؟
التجارب التاريخية في المنطقة تشير إلى أن الحروب نادراً ما تنتهي بحسم عسكري كامل، وغالباً ما تنتهي إلى تسويات سياسية بعد استنزاف جميع الأطراف. ولذلك فإن أي استراتيجية واقعية لإنهاء الصراع لا بد أن تقوم على فتح مسار سياسي ودبلوماسي يتيح معالجة جذور الأزمة ويحد من احتمالات التصعيد المستمر.
إن استمرار الحرب يحمل مخاطر جدية ليس فقط على أطرافها المباشرين، بل على مجمل استقرار المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية تحرك دولي وإقليمي فاعل لإعادة إحياء المسار السياسي، بما يسهم في تجنب انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها أعلى بكثير من أي مكاسب عسكرية مؤقتة.



