من "فن الامتثال" إلى "فن الابتكار": رحلة العقل من ضيق القياس إلى رحابة السياق

محمد قاروط أبو رحمة

فبراير 9, 2026 - 17:38
من "فن الامتثال" إلى "فن الابتكار": رحلة العقل من ضيق القياس إلى رحابة السياق

من "فن الامتثال" إلى "فن الابتكار": رحلة العقل من ضيق القياس إلى رحابة السياق

محمد قاروط أبو رحمة

(الملخص: بين مطرقة المعايير الجامدة وسندان الإبداع الحر، يبرز صراعٌ خفيّ يحدد مصير عقولنا. هل نحن جيلٌ يتقن "فن الامتثال" لخرائط الماضي، أم نملك الشجاعة لابتكار "سياقات" تشبه مستقبلنا؟ يتناول هذا المقال ضرورة الانتقال من العقل القياسي الذي يقدس المسطرة، إلى العقل السياقي الذي يصنع النهضة.)

 

في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات وتتعاظم التحديات، لم يعد السؤال الجوهري هو "كم نعرف؟"، بل "كيف نفكر؟". إن المتأمل في واقعنا التعليمي والثقافي يجد صراعاً خفياً بين آليتين لإدراك العالم: العقل القياسي الذي يقدس المسطرة والقانون الثابت، والعقل السياقي الذي يرى الحقيقة من خلال عدسة الظروف والمتغيرات. وبينهما، تضيع مواهب وتولد أخرى، مما يستوجب علينا وقفة لمراجعة "أدوات القياس" التي نكبل بها عقولنا.

 

العقل القياسي: سجن "النموذج الجاهز"

يعتمد العقل القياسي على مبدأ "القالب". هو عقل يطمئن للنصوص الجاهزة، ويسعى دوماً لمطابقة الواقع بمعايير سابقة وضعت في الغالب في أزمنة أو بيئات مغايرة. في التعليم، يظهر هذا العقل في "الاختبارات الموحدة" التي تعامل عقولاً متباينة بمسطرة واحدة. وفي البحث العلمي، يتجسد في تحكيم يركز على "سلامة القالب" و"عدد المراجع" أكثر من تركيزه على "أصالة الفكرة".

إن خطورة هذا العقل لا تكمن في تنظيمه، بل في تحوله إلى أداة للسيطرة المعرفية؛ حيث يصبح من يملك "المعيار" مَلِكاً للحقيقة، ويتحول المبدعون إلى مجرد "ممتثلين" يخشون الخروج عن الخطوط المرسومة لئلا توصف أفكارهم بالخطأ أو الشذوذ المعرفي.

 

العقل السياقي: روح الابتكار الحر

على الطرف المقابل، يبرز العقل السياقي بوصفه المنقذ. إنه العقل الذي لا يقرأ النص مجرداً، بل يقرأه في ضوء زمانه ومكانه وجدواه. هو عقل "مرن" يدرك أن ما نجح في بيئة ما قد يفشل في أخرى، وأن "المسطرة" ليست قدراً محتوماً، بل أداة قابلة للتطوير.

هذا العقل هو الذي يصنع فن الابتكار. فهو لا يسأل: "هل هذا يطابق المعيار؟"، بل يسأل: "ما الذي يضيفه هذا العمل لواقعنا؟". إنه ينتقل من التقييم بالكمّ إلى التقييم بالأثر، ومن جمود القاعدة إلى حيوية الحل.

 

مقصلة "الامتثال" وقتل المبدعين

عندما تسيطر الرؤية القياسية على مؤسساتنا، فإنها تفرز ما يمكن تسميته بـ "فن الامتثال". في هذا المناخ، يتعلم الشاب المبدع أن الطريق الأقصر للنجاح هو "إرضاء المعيار" لا "إعمال الفكر". وبمرور الوقت، تقتل هذه الروح روح المغامرة المعرفية، ويتحول التعليم من رحلة استكشاف إلى عملية "تعبئة نماذج". إننا أمام "قتل رحيم" للموهبة، حيث يتم وأد الفكرة الثورية لأنها لم تُصغ بتنسيق معين، أو لأنها لم تتبع منهجاً تقليدياً لم يعد يسمن ولا يغني من جوع في مواجهة مشكلاتنا المعقدة.

 

نحو خارطة طريق للتحرر

إن الانتقال من الامتثال إلى الابتكار يتطلب "ثورة في المفاهيم" تبدأ بـ:

أنسنة المعايير: أن تكون أدوات التقييم مرنة تستوعب الاستثناء وتحتفي بالخروج الإبداعي عن النص.

توطين المعرفة: التوقف عن استيراد "مساطر القياس" الجاهزة، والبدء في ابتكار أدوات قياس تشبه هويتنا وتحل مشكلاتنا.

الاحتفاء بالفشل البنّاء: اعتبار التجربة غير الناجحة جزءاً من مسار التعلم، وليس ذنباً يُعاقب عليه العقل القياسي.

 

رؤية مستقبلية

الذكاء الاصطناعي: صدام القياس الآلي والسياق البشري

في عصر الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا أمام "العقل القياسي" في أبهى صوره التقنية؛ فالخوارزميات ليست سوى آلات قياس عملاقة تعتمد على الأنماط السابقة والبيانات الضخمة للتنبؤ بالمستقبل. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تتفوق الآلة على الإنسان في "الامتثال" للقواعد والقياس على النماذج، يبقى العقل السياقي هو الحصن الأخير للتميز البشري. فالآلة قد تمنحك إجابة نموذجية، لكنها تفتقر إلى "الروح السياقية" التي تفهم ما وراء النص، وتدرك الأبعاد الأخلاقية والجمالية والخصوصية الثقافية التي لا يمكن رصدها بالأرقام. إن صمودنا أمام هيمنة الآلة لا يكون بمنافستها في دقة القياس، بل بالانتقال إلى منطقة "الابتكار السياقي"، حيث يُصبح الفكر البشري هو الموجه الذي يمنح المعنى لتلك البيانات الصماء، ويطوعها لخدمة الإنسان في سياقه الفريد.

 

الخاتمة: العقل خادمٌ للواقع لا أسيرٌ للنموذج

إن الأمم لا تنهض بالامتثال لدروس الماضي فحسب، بل بامتلاك الشجاعة لابتكار أدوات المستقبل. وفي ظل الثورة الرقمية الحالية، لم يعد الصراع مجرد مفاضلة بين أسلوبين في التفكير، بل أصبح ضرورة وجودية؛ فبينما تبرع الآلات في محاكاة "العقل القياسي" وتجاوزه، يظل العقل السياقي هو الامتياز البشري الوحيد الذي لا يمكن رقمنته.

إننا مدعوون اليوم للتوقف عن قياس عقولنا بمساطر الآخرين أو بقوالب الخوارزميات الجامدة، ومنح المبدعين الحرية ليرسموا واقعنا بألوانهم الخاصة. فالحقيقة والابتكار لا يوجدان في القوالب الجاهزة، بل في القيمة والروح التي يضفيها الفكر البشري على واقعه. لقد آن الأوان لننتقل من مقاعد "الممتثلين" للأنماط، إلى منصة "المبتكرين" للسياقات، فالمستقبل لا ينتظر من يطبق القواعد، بل من يصنعها بما يليق بالإنسان.