إبعاد واعتقال حراس الأقصى .. رسائل ودلالات سياسية متعددة

راسم عبيدات

فبراير 10, 2026 - 20:05
إبعاد واعتقال حراس الأقصى .. رسائل ودلالات سياسية متعددة

راسم عبيدات


استهداف حراس المسجد الأقصى بالإبعاد عن المسجد والاعتقالات والأحكام الإدارية بحقهم، تحمل رسائل ودلالات سياسية متعددة، ليس فقط رسائل ترهيب وتخويف، بل  هي رسالة للأردن التي هي صاحبة الوصاية على المسجد الأقصى، وهي من توظف هؤلاء الحراس، الرسالة الإسرائيلية تقول بأننا أصحاب السيادة على الأقصى "جبل الهيكل"، ونحن من نقرر بشأنه، نقرر من يحق له الدخول للأقصى ومن لا يحق له الدخول، في إطار تطويع العقل الفلسطيني والعربي، للانضباط للقرارات والإجراءات الإسرائيلية، ليس فقط عبر فرض وقائع تهويدية جديدة في الأقصى، بل بما يمهد ذلك الى نزع السلطة الإدارية على الأقصى من الأوقاف الإسلامية، وكذلك اعتقال الحراس، مقدمة لإنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى.
وهناك رسالة أخرى الى المقدسيين وعرب الداخل الفلسطيني- 48، بأن عهد إسقاط البوابات الإلكترونية  على بوابات الأقصى في تموز 2017، قد ولى إلى غير رجعة، حيث يجري العمل على تفكيك أي كتلة شعبية كبيرة، قادرة على التصدي لأي خطوات تهويدية بحق الأقصى، وما يجري من عمليات إبعادات واعتقالات بحق المقدسيين وسكان الداخل الفلسطيني- 48، يندرج في هذا الإطار والسياق.
حكومة الاحتلال ضمن سياستها الممنهجة التهويدية تجاه المسجد الأقصى، ترى بأن هذا الموسم يجب ان يكون موسم الحسم للسيادة على الأقصى، وإخراجه من الزمن الإسلامي الخالص والعبور به الى الزمن اليهودي.  فالوضع العربي والإسلامي مؤاتٍ جداً، حيث نعيش حالة غير مسبوقة من الانهيار والتردي والعجز والجبن، عن اتخاذ أية خطوات عملية، للتصدي للمخططات والمشاريع التهويدية الإسرائيلية في الأقصى، وباتت اللازمة والإسطوانة المشروخة عربياً وإسلامياً، نشجب ونستنكر وندين ونطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وفرض وقائع تهويدية جديدة في الأقصى غير مقلقة لإسرائيل ولا تعيرها أي اهتمام.
إسرائيل دوما كانت تستبق الشهر الفضيل، بحملة تحريض واسعة، و"شيطنة" له، ووصفه بشهر التصعيد و" الإرهاب" لكي تبرر إجراءاتها وممارساتها القمعية والتنكيلية والإذلالية،  بتقييد حرية الحركة والعبادة، بمنع المصلين من الوصول الى المسجد الأقصى، وحرمانهم من أداء شعائرهم الدينية، منتهكة القانون الدولي بشكل سافر ووقح، بمنع  حرية الحركة والعبادة، ولكن هذا الموسم  يختلف عن كل المواسم السابقة، من حيث ما نشهده من هجمة تهويدية على الأقصى، حملة غير مسبوقة من الإبعادات بحق المواطنين الفلسطينيين قيادات دينية ووطنية ومرابطين ومرابطات ونشطاء وأسرى محررين.
حتى اللحظة جرى إبعاد أكثر من 152 مواطنا عن الأقصى، وشمل ذلك عدداً من حراس الأقصى، ولم يكتف الاحتلال بالإبعادات لحراس الأقصى، بل القيام بتنفيذ عمليات اعتقالات إدارية بحقهم، في استهداف واضح لإدارة الأوقاف الإسلامية وللحكومة الأردنية، المسؤولة عن هؤلاء الحراس، حيث هي من توظفهم وتدفع رواتبهم.
من المتوقع أن يصل عدد المبعدين عن الأقصى حتى حلول الشهر الفضيل بالمئات، وكذلك سيكون عدا القيود الأمنية والعسكرية، وتحويل القدس الى ثكنة عسكرية، قيود على أعداد وأعمار المصلين، وخاصة بأن الأعداد التي سيسمح بدخولها من الضفة الغربية، ستكون محدودة ولا تتجاوز المئات، حيث يُلزِم المواطنين القادمين للصلاة في أيام الجمع بالحصول على تصاريح خاصة وبطاقات ممغنطة، وتحديد لفترة مكوثهم في الأقصى، في حين سكان القدس والداخل الفلسطيني- 48، سيُمنع اعداد كبيرة من الشبان من الصلاة في الأقصى تحت حجج وذرائع الحفاظ على الأمن.
الخطوات التهويدية للأقصى باتت متجاوزة للتقسيمين المكاني والزماني، ومستكملة كل الطقوس التلمودية والتوراتية من أجل إحياء الهيكل المعنوي، حيث يمارسون السجود الملحمي، بانبطاح المستوطنين على وجوههم، كأعلى شكل من أشكال الطقوس التلمودية والتوراتية، وأدخلوا اللفائف السوداء، وأدوات الصلاة، وأدوا صلوات وطقوسا تلمودية وتوراتية علنية وجماعية في ساحات الأقصى، ودخلوا بلباس الكهنة البيضاء، ولبسوا الطاليت والتفلين، ونفخوا في البوق وأدخلوا قرابين الفصح النباتية الى ساحات الأقصى، سعف نخيل وأوراق صفصاف وحمضيات مجففة، وحاولوا ان يدخلوا قرابين فصح حيوانية الى الأقصى، وكذلك رقصوا وغنوا في الأقصى وأقاموا حفلات زواج وتعميد لبالغين.
الآن هم ينتقلون الى مرحلة جديدة، مرحلة بناء الهيكل بشكل فعلي، على أن يسبق ذلك بناء كنيس يهودي في المنطقة الشرقية من الأقصى بدل مصلى باب الرحمة، ومن ثم سيعملون على هدم مسجد قية الصخرة وإقامة هيكلهم الثالث المزعوم مكانه.
تنفيذ المخطط والمشروع التهويدي بحق الأقصى على غرار الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي الشريف، والذي بات يخضع لسيطرة إسرائيلية من خلال وزارة أديانها والجمعيات الاستيطانية بشكل شبه مطلق، نلمس خطواته الفعلية على الأرض، فعندما يقول العديد من الحاخامات عجلوا في بناء الهيكل، دون انتظار بند التطهر من نجاسة الموتى، وعندما يجري الموافقة بالقراءة الأولى في الكنيست الإسرائيلي على رفع القدسية عن ساحات الأقصى وتحويلها الى ساحات بلدية، ضمن ما يسمونه "تحقيق الهوية اليهودية في الحيز العام"، و"قوننة " ذلك، فهذا يعني بأنه سيحظر على دائرة الأوقاف الإسلامية وحراس الأقصى، منع غير المسلمين، من ممارسة طقوسهم التلمودية والتوارتية وصلواتهم في ساحات الأقصى، ومن يعترضهم سيتعرض للاعتقال والإبعاد عن الأقصى والحبس المنزلي وغيرها من العقوبات، لكونها ساحات عامة.
اذاً، المخطط  حصر المسجد الأقصى المعرف بساحاته ومصاطبه وقبابه وفوق الأرض وتحتها، بـ 144 دونما، فقط بما هو مسقوف من الأقصى.
وفي تطور لافت أخر لم تعد الاقتحامات للأقصى، تتم عبر مسار واحد، بالدخول من باب المغاربة  والخروج من باب السلسلة، بل أصبحوا تحت حماية جيش وشرطة الاحتلال، يستخدمون أكثر من مسار، عبر سماحهم للجماعات الاستيطانية، وخاصة جماعات الإعداد العسكري، بالوصول الى مسجد القبة من الجهتين الشمالية والغربية،  علماً بأن نصوصهم التوراتية تحرم عليهم الوصول الى قبة "قدس الأقداس".
وزير ما يعرف بالتراث اليهودي عميحاي الياهو، تواجد مع ابنته في مزرعة البقرات الحمراء قرب بيسان، والتي كان يخاطبها بالقول سنعمل على بناء هيكلنا. تلك البقرات التي تم استولادها جينياً وإحضارها من ولاية تكساس الأمريكية، ووضعها في مزرعة خاصة، لكي تبلغ العمر الشرعي عامين، وبعد ذلك  يجري ذبح إحداها في ساحات الأقصى، لتجاوز قرار الحاخامية العليا، بعدم الصعود الى "جبل الهيكل"، الأقصى، دون تحقيق شرط التطهر من نجاسة الموتى، حيث بعد ذبح تلك البقرة، سيجري نثر رمادها بعد حرقها بواسطة خشب الزيتون، على أكبر عدد من الحاخامات، وبالتالي سنكون أمام "طوفان" من المتطرفين يقتحمون الأقصى، وليصبحوا شركاء في المكان، تمهيداً للسيطرة عليه.
ما يجري من إبعادات واعتقالات بحق المواطنين الفلسطينيين، وبحق حراس المسجد الأقصى، يندرج في إطار تفريغ تدريجي للأقصى من المصلين، وتحديد الأعداد التي سيسمح لها بالصلاة، على طريق التهويد الكامل عبر خطوات تهويدية متسارعة.