سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (3): المغير.. حيث تُؤجَّل المائدة وتبقى الكرامة
وصال أبو عليا
وصال أبو عليا
ليست كل القرى تُروى حكاياتها في الأخبار؛ بعض القرى تُكتب قصتها كل يومٍ على وجوه أهلها
في المغير، لا يبدأ النّهار حين تشرق الشمس، بل حين يفتح الناس أعينهم على سؤال النّجاة: ماذا سيحدث اليوم؟
ولا ينتهي المساء عند الغروب، بل حين ينجح القلب في عبور يومٍ آخر دون أن يُكسر تمامًا.
هذه القرية الصغيرة ليست مجرد مكان، بل اختبارٌ يوميّ لمعنى أن تبقى إنسانًا تحت وطأة القهر… ومع ذلك، فإنّ جدرانها — التي حفظت حكايات أهلها — أكبر من عمر هذا الاحتلال، وأصدق من كل ما يُكتب في تقاريره.
على مدخلها، يتكرر المشهد كقدرٍ ثقيل: حاجزٌ عسكري يزرع الخوف في الأرض، ومستوطِنون يتربّصون بالعابرين كأنّهم حرّاس الألم. الطريق لم تعد طريقًا، بل مساحة مفتوحة للاعتداء؛ حيث يُضرب المارّ لأنّه مرّ، ويُهان لأنّه حاضر، ويُستهدف لأنّه ببساطة… من هنا.
جنود الاحتلال يقفون، والمستوطنون يهاجمون، وبينهما يُترك الإنسان أعزل إلا من كرامته.
هذا كلّه… لا يُكتب في محاضر الجنود.
لا تُكتب تلك اللّحظة التي يلتفت فيها الأب خلفه ليتأكد أنّ ابنه ما زال واقفًا، ولا رعشة اليد التي تتمسك بكيس خبز كأنّه نجاة، ولا نظرة الإذلال التي تسبق الضربة.
في الدّاخل، لا تختلف الحكاية… بل تزداد قسوة.
اقتحامات لا تعرف وقتًا، جنود يقتحمون الشوارع والبيوت كما لو أنّ المكان بلا أصحاب، يفتّشون الوجوه قبل الجدران، ويعاملون كلّ من يصادفهم — طفلًا كان أم شيخًا، امرأة أو شابًا — كهدفٍ مؤجل للاعتداء.
في السوبرماركت، يصبح الخوف سلعة إضافية، وفي البيوت، يتحوّل الباب إلى تفصيل لا يمنع الاقتحام.
وهذا أيضًا… لا يُدوَّن.
لا يُكتب كيف يُوقَظ طفل من نومه على وقع الخوف، ولا كيف تبحث أمّ عن صوتٍ يطمئنها فلا تجد، ولا كيف يطول اللّيل حتّى يتعب القلب من احتماله.
حتّى الصوت الذي يعلو للصّلاة لم يَسلم.
إمام المسجد الشيخ درويش، تعرّض لاعتداءٍ بالضرب المبرح على يد جنود الاحتلال والمستوطنين، لا لشيء إلا لأنّه يمثّل ما تبقى من سكينة.
وحين يُضرب الإمام… لا تُسجَّل الحقيقة كاملة.
لا يُكتب أنّ اليد التي امتدت عليه امتدت على ما تبقى من طمأنينة في القرية، ولا أنّ الصمت الذي تلا ذلك كان أثقل من الضرب نفسه.
ومع رمضان، تتكثّف المأساة.
قبل الإفطار، حين تتهيأ القلوب لسكينةٍ قصيرة، تتصاعد الاعتداءات كأنها تعرف متى يكون الإنسان أكثر هشاشة.
التمر ينتظر، والماء يبرد، لكنّ الطرقات تشتعل، والقلوب تنشغل بالخوف بدل الدعاء.
وفي المغير، لم يعد الزمن يُقاس فقط بحركة الشمس أو بنداء المؤذن.
فالساعة هنا تخضع أحيانًا لمنطق القوة لا لمنطق السماء.
موعد الإفطار لا يرتبط دائمًا بالأذان، بل وفي مخالفة للطبيعة، باللحظة التي يقرّر فيها الجنود فتح الحاجز على مدخل القرية.
هناك، عند ذلك الحاجز، يتوقف الزمن قليلًا، وكأنّ الحياة كلّها معلّقة على إيماءة جندي.
يصل بعض الناس إلى بيوتهم بعد الأذان بدقائق، أو ربما بعده بوقتٍ أطول، فيفطرون متأخرين… لا لأنّهم نسوا الوقت، بل لأنّ الطريق نفسها صارت جزءًا من امتحان الوجود.
وهكذا، يصبح الإفطار هنا تجربة فلسفية في معنى الزمن المقهور؛ زمنٍ تُحاول سلطة الاحتلال بالقوة أن تعيد تشكيله وفق إرادتها،
لكنّ الإنسان يعيد تعريفه بمعنى الصبر والكرامة.
بعضهم أفطر على القلق، وبعضهم تأخر عن مائدته لأنّ الطريق لم تكن آمنة، وبعضهم حمل خوفه إلى المائدة بدل الخبز.
ولا يُكتب… أنّ الإفطار قد يُؤجَّل، لكنّ الكرامة لا.
ومع ذلك… لا تنحني المغير.
تبقى كزيتونةٍ تعرف سرّ البقاء، جذورها أعمق من كل اقتلاع، وأغصانها تحفظ اتجاه الضوء.
بيوتها عامرة، لا لأنّها لم تُمسّ، بل لأنّها ترفض أن تُفرغ.
وأهلها لا يقيسون الصمود بالكلمات، بل بقدرتهم على الاستمرار.
وهذا أيضًا… لا يُكتب في محاضر الجنود.
لا يُكتب أنّ هذه القرية، رغم كل ما يقترفه بحقها جنود الاحتلال والمستوطنين، ما زالت تنبض بأهلها، ولا أنّ الجدران التي شهدت الألم… ما زالت تقف، شاهدةً أنّ الوجع لم ينتصر بعد.
في المغير، قد لا تُروى الحكاية كاملة في التقارير، لكنّها تُحفَظ في القلوب، وفي ذاكرة المكان التي تعرف أكثر مما يُقال.
وكأنّ القرية كلّها تهمس بما قاله نيتشه:
"ما لا يقتلني يجعلني أكثر قوة."





