دكاكين العمل الأهلي خارج القانون… بين غياب الترخيص ومخاطر الزبائنية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
دكاكين العمل الأهلي خارج القانون… بين غياب الترخيص ومخاطر الزبائنية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشهد الفضاء الأهلي في عدد من البيئات المحلية ظاهرة آخذة في الاتساع، تتمثل في بروز مبادرات وأطر فردية تُقدم نفسها تحت مسميات العمل الخيري أو المجتمعي، لكنها لا تستند إلى غطاء قانوني واضح، ولا تخضع لرقابة مؤسسية أو مالية منظمة. هذه الظاهرة، وإن بدت في ظاهرها تعبيرًا عن روح المبادرة، تطرح في جوهرها أسئلة جدية حول المشروعية والشفافية وحدود المسؤولية.
الأصل في العمل الأهلي أن يقوم على أسس قانونية تضمن التسجيل والترخيص، وتحدد آليات الإدارة والتمويل، وتخضعه لرقابة الجهات المختصة، صونًا للمال العام والخاص، وحمايةً للمتبرعين والمستفيدين على حد سواء. فالقانون لم يُشرّع لتنظيم المجتمع المدني تقييدًا له، بل لحمايته من الفوضى، ولحماية الثقة العامة من الاستغلال أو سوء الاستخدام.
غير أن بعض المبادرات الفردية، التي تعمل خارج إطار الترخيص والتسجيل، تتحول عمليًا إلى ما يمكن وصفه بـ"دكاكين استرضائية"، تُدار بعلاقات شخصية وانتفاعات متبادلة، وتفتقر إلى معايير واضحة في اختيار المستفيدين أو إدارة الموارد. ومع غياب التقارير المالية المعلنة، والهيئات الإدارية المنتخبة، والأنظمة الداخلية المكتوبة، تتكاثر الشبهات حول تضارب المصالح، أو إساءة استعمال التبرعات، أو توظيف العمل الأهلي لتحقيق مكاسب شخصية أو اجتماعية ضيقة.
قانونيًا، فإن مزاولة نشاط ذي طابع عام – كجمع التبرعات أو تقديم خدمات اجتماعية منظمة – دون ترخيص يُعد مخالفة صريحة للتشريعات الناظمة لعمل الجمعيات والهيئات الأهلية. كما أن جمع الأموال أو التبرعات دون سند قانوني أو دون رقابة مالية معتمدة قد يفتح الباب أمام مساءلة إدارية أو جزائية، بحسب طبيعة المخالفة وحجمها. والمسألة هنا لا تتعلق بالنوايا، بل بسلامة الإطار القانوني الذي يحكم الفعل.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الكيانات غير المرخصة يسيء إلى صورة العمل الأهلي المنظم، ويضعف ثقة المجتمع بالمؤسسات القانونية التي تعمل وفق الأصول، وتلتزم بالحوكمة والإفصاح والمساءلة. كما يُنتج بيئة زبائنية تُستبدل فيها معايير العدالة والاحتياج بمعايير القرب والعلاقة، فيتحول الحق إلى منّة، والخدمة إلى وسيلة نفوذ.
وفي الوقت ذاته، فإن النقد الموضوعي يقتضي عدم التعميم أو إطلاق الاتهامات جزافًا. فثمة مبادرات فردية قد تنطلق بدافع إنساني صادق، لكنها تفتقر إلى الوعي القانوني أو الإداري الكافي. وهنا تكمن مسؤولية الجهات المختصة في التوعية والتوجيه، وتسهيل إجراءات التسجيل، وتشجيع الانتقال من المبادرة الفردية إلى المؤسسة القانونية، بما يضمن الاستدامة والشفافية.
إن العمل الأهلي، حين يُدار خارج الأطر القانونية، يقف على مفترق طرق: إما أن يتطور إلى كيان مؤسسي خاضع للرقابة والمساءلة، أو أن يبقى في دائرة العمل الفردي غير المنظم بما يحمله من مخاطر قانونية وأخلاقية ومجتمعية. والرهان الحقيقي هو على ترسيخ ثقافة أن خدمة المجتمع لا تنفصل عن احترام القانون، وأن حسن النية لا يغني عن سلامة الإجراءات.
إن تعزيز الثقة العامة يتطلب بيئة تشريعية واضحة، ورقابة فاعلة، وإعلامًا مهنيًا يسلط الضوء على مكامن الخلل دون تشهير، ويفتح في الوقت ذاته المجال للنقاش المسؤول حول تطوير قطاع المجتمع المدني. فالمجتمع القوي هو الذي تُدار مؤسساته بوضوح وشفافية، وتخضع جميعها – دون استثناء – لسيادة القانون.
وفي المحصلة، فإن حماية العمل الأهلي تبدأ بحمايته من العشوائية، ومن تحويله إلى أداة علاقات أو مصالح. فالمؤسسة القانونية ليست ترفًا إداريًا، بل ضمانة للعدالة، وركيزة لبناء ثقة مستدامة بين المجتمع ومبادراته، وبين المتبرع والمستفيد، وبين الفعل الإنساني وسيادة القانون.



