رمضان على وقع المعاناة: التكافل الاجتماعي ركيزة الصمود في مواجهة الفقر والتهجير
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رمضان على وقع المعاناة: التكافل الاجتماعي ركيزة الصمود في مواجهة الفقر والتهجير
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يستقبل الشعب الفلسطيني هذا الشهر الفضيل في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية هي من الأصعب والأقسى، حيث تتفاقم معدلات الفقر والبطالة، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتسع رقعة الاحتياج، بالتزامن مع استمرار سياسات التهجير القسري، لا سيما في مخيمات طولكرم ونورشمس وجنين، التي باتت تعيش تحت ضغط أمني واقتصادي وإنساني غير مسبوق.
رمضان هذا العام لا يأتي فقط موسمًا للعبادة والصيام، بل يحضر كاختبار حقيقي لقيم التكافل والتضامن الاجتماعي، وكعنوان للصمود المجتمعي في مواجهة محاولات كسر الإرادة الوطنية عبر التجويع والتهجير واستنزاف مقومات العيش الكريم.
واقع اقتصادي ضاغط ومعاناة متصاعدة
تشير الوقائع الميدانية إلى ازدياد أعداد العاطلين عن العمل، وتعطل مصادر الدخل، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، خاصة لدى العمال والموظفين وأبناء المخيمات. وقد أدت الاعتداءات المتكررة على المخيمات، وتدمير المنازل والبنية التحتية، إلى تعميق حالة العوز وخلق أزمات معيشية مركبة، تجعل من تأمين لقمة العيش تحديًا يوميًا لآلاف الأسر.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول مائدة الإفطار الرمضانية من طقس روحي جامع إلى عبء ثقيل على كاهل الأسر المتعففة، ما يفرض ضرورة تفعيل أدوات التكافل الاجتماعي بصورة عاجلة ومنظمة.
التكيات الخيرية: واجب اجتماعي ووطني
إن تفعيل عمل التكيات خلال شهر رمضان المبارك لا ينبغي أن يُختزل في إطار العمل الخيري الموسمي، بل يجب أن يُنظر إليه كمسؤولية وطنية واجتماعية تسهم في تعزيز الصمود، وتخفيف آثار الفقر والحصار والتهجير.
قال تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]
وقال سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2].
إن دعم التكيات، وتنظيم عملها، وضمان وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا، يمثل تجسيدًا عمليًا لقيم الإسلام، ورسالة أخلاقية ووطنية في آن واحد.
ضبط الأسواق: مسؤولية قانونية وأخلاقية
بالتوازي مع الجهد الأهلي، تبرز مسؤولية الجهات الرسمية والرقابية في مراقبة الأسعار وضبط الأسواق، ومنع الغلاء والاستغلال، وتسعير المواد الأساسية، خاصة في ظل الارتفاع الموسمي للأسعار خلال شهر رمضان.
فترك الأسواق دون رقابة يشكل انتهاكًا صريحًا لحقوق المستهلك، ويضاعف معاناة الفئات الهشة. وقد شدد النبي ﷺ على رفض الغش والاستغلال بقوله:
"من غشّ فليس منّا"،
وقوله ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن".
الأمن المجتمعي شرط للاستقرار
ولا يكتمل الحديث عن شهر رمضان دون التأكيد على أهمية تعزيز الأمن المجتمعي، وملاحقة الخارجين عن القانون، وضبط مظاهر الفوضى، بما يضمن أجواء من الطمأنينة والاستقرار، ويحفظ السلم الأهلي، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا.
رمضان والوحدة الوطنية
إن معاناة الموظف والعامل والتاجر، كما معاناة المهجّرين قسرًا، تستوجب خطابًا وطنيًا جامعًا، يكرّس روح الوحدة والتكافل، ويعيد الاعتبار لقيم التضامن والتعاضد.
قال رسول الله ﷺ:
"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".
توصيات عملية
وانطلاقًا من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، يوصي هذا التقرير بما يلي:
تفعيل منظّم للتكيات الخيرية تحت إشراف جهات رسمية وأهلية مشتركة، لضمان العدالة في التوزيع ومنع الازدواجية.
إطلاق صندوق دعم رمضاني وطني يساهم فيه القطاعان العام والخاص ورجال الأعمال لدعم الأسر المتعففة ومخيمات اللاجئين.
تشديد الرقابة على الأسواق وتحديد سقوف سعرية للمواد الأساسية، مع فرض عقوبات رادعة على المحتكرين والمستغلين.
تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية والأمنية لضبط الأمن المجتمعي وملاحقة الخارجين عن القانون.
إشراك البلديات واللجان الشعبية في رصد الاحتياجات الميدانية وتحديث قوائم الأسر الأكثر تضررًا.
تعزيز ثقافة التكافل المجتمعي عبر الإعلام والمساجد والمؤسسات التربوية، وترسيخ قيم العطاء المنظم لا الموسمي.
إيلاء مخيمات اللاجئين أولوية خاصة في برامج الدعم والإغاثة، في ظل ما تتعرض له من تهجير واستهداف مباشر.
خاتمة
رمضان هذا العام يجب أن يكون شهر البركات والخير، وشهر الأمن والأمان، وشهر التكافل والتضامن الاجتماعي، في مواجهة الفقر والتهجير ومحاولات كسر الإرادة الوطنية. إن دعائم الصمود الفلسطيني لا تقوم فقط على السياسة، بل على الوحدة الوطنية، والتكافل الاجتماعي، والتعاضد، ومؤازرة بعضنا البعض.
وفي هذا الامتحان الأخلاقي والوطني، يثبت الشعب الفلسطيني أن قوته الحقيقية تكمن في تماسكه، وفي إيمانه بأن الخير، مهما اشتدت العتمة، يبقى أقوى من الظلم.
المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



