السِّلم المجتمعي ومعايير الأخلاق: مدخل لإعادة بناء الاتزان الوطني الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
السِّلم المجتمعي ومعايير الأخلاق: مدخل لإعادة بناء الاتزان الوطني الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم يعد مفهوم السِّلم في المجتمعات المعاصرة يُقاس بمجرد غياب الصدام أو انخفاض مستوى العنف الظاهر، بل بمدى قدرة النُّظم الاجتماعية والسياسية على إنتاج عدالة مستدامة واتزان أخلاقي يضمن الحقوق ويُرسّخ الثقة بين المواطن والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم السِّلم المجتمعي بوصفه إطارًا بنيويًا شاملًا، يتجاوز الاستخدام الشائع لمصطلح «السِّلم الأهلي» الذي غالبًا ما يُستدعى لإدارة الأزمات لا لمعالجة جذورها.
السِّلم المجتمعي ليس هدنة مؤقتة بين مكوّنات اجتماعية أو سياسية متنازعة، ولا حالة صمت تُفرض تحت عناوين الأمن والاستقرار، بل هو نتاج لصلاح النُّظم الاجتماعية حين تقوم على معايير أخلاقية واضحة، في مقدمتها: سيادة القانون، المساواة أمامه، استقلال القضاء، المساءلة، واحترام الكرامة الإنسانية. فحيثما تسود العدالة، ينشأ الاستقرار تلقائيًا، وحيثما تُغيَّب، يصبح أي استقرار هشًّا وقابلًا للانفجار.
في المقابل، يُستخدم مفهوم «السِّلم الأهلي» في كثير من السياقات بوصفه مصطلحًا إحلاليًا يُركّز على منع الانفجار الاجتماعي دون معالجة أسبابه البنيوية. وغالبًا ما يُقدَّم الأمن الشكلي على العدالة، والتهدئة المؤقتة على الإصلاح العميق، فتُراكم المظالم بدل تفكيكها، وتُؤجَّل الأزمات بدل حلّها.
إن البعد الأخلاقي للنُّظم الاجتماعية لا يُعد ترفًا فكريًا، بل معيارًا عمليًا للحكم على السياسات العامة: هل تُعزّز هذه السياسات الإنصاف أم الامتياز؟ هل تبني الثقة أم تُعمّق الاغتراب؟ هل تحمي الحقوق أم تُقايضها بالاستقرار المؤقت؟ فالأخلاق هنا تتحول إلى تشريع، ومؤسسة، وسلوك عام، لا إلى خطاب وعظي.
وفي الحالة الفلسطينية، تتعقّد معادلة السِّلم المجتمعي بفعل الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يبقى السِّلم المجتمعي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، شرط ألا يتحوّل إلى شعار يُستخدم لتبرير تعطيل الإصلاح أو إسكات المطالب الاجتماعية المشروعة. فالاتزان الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يُدار بالأمن وحده، بل يُبنى عبر إصلاح بنيوي شامل يعالج جذور التوتر: غياب العدالة، ضعف الحوكمة، تسييس القانون، واتساع الفجوات الاجتماعية.
إن إعادة بناء السِّلم المجتمعي في فلسطين تقتضي مراجعة جادة للتشريعات والسياسات العامة بما ينسجم مع المعايير الحقوقية، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل المساءلة والشفافية، وربط الاستقرار بالإصلاح لا بالضبط الاجتماعي. كما تتطلب إشراك المجتمع، وخاصة الشباب والنساء، في صنع القرار، ومعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الأمن المجتمعي.
دوليًا، لا بد من إدراج مفهوم السِّلم المجتمعي القائم على العدالة ضمن الخطاب الفلسطيني الدبلوماسي، والتأكيد أن الاستقرار الحقيقي في ظل الاحتلال لا يمكن فصله عن إنهائه، بالتوازي مع بناء نموذج وطني داخلي قائم على القانون والحقوق.
خلاصة القول، إن السِّلم المجتمعي مشروع وطني أخلاقي-سياسي طويل الأمد، لا يتحقق بالشعارات ولا بالمصطلحات الإحلالية، بل بإرادة إصلاحية صادقة. فالعدل هو شرط السِّلم، وليس نتيجة له، ومن دونه يبقى الاستقرار مؤقتًا مهما طال.



