المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والإقليمي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يناير 27, 2026 - 17:40
المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والإقليمي

المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والإقليمي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تكن القضية الفلسطينية يومًا مجرد ملف تفاوضي أو نزاع حدودي قابل للحل عبر ترتيبات أمنية أو صفقات سياسية، بل هي صراع تحرر وطني تتقاطع فيه الأبعاد التاريخية والسياسية والقانونية والثقافية، وتتشابك ضمن بيئة إقليمية ودولية سريعة التحوّل.
واليوم يجد المشروع الوطني الفلسطيني نفسه أمام تحولات عميقة تفرض إعادة تقييم الأدوات والخيارات، دون المساس بجوهر الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
من مشروع تحرر إلى مشروع سلطة
تشكل المشروع الوطني الفلسطيني منذ منتصف القرن الماضي حول مركزية التحرر والعودة وبناء الكيان السياسي، غير أن محطات التسوية منذ أوسلو خلقت مسارًا جديدًا انتقل تدريجيًا من مشروع تحرر إلى مشروع سلطة، في ظل انقسام داخلي وتعطل للمؤسسات وخسارة تدريجية لدور منظمة التحرير باعتبارها الإطار الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
وبالرغم من كل هذه التحديات، لم يسقط المشروع الوطني، لكنه تأجل ودخل في مرحلة إعادة تعريف للأهداف والأدوات.
السياق الدولي: نهاية وهم الوسيط النزيه
يشهد النظام الدولي تحولات كبرى باتجاه تعددية قطبية مرنة، مع تنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وعودة لاستخدام القانون الدولي كأداة ضغط وإن بقي على مستوى الخطاب أكثر من الممارسة.
وبرزت خلال السنوات الأخيرة ثلاث حقائق أساسية:
أن الولايات المتحدة طرف منحاز في الصراع، لا وسيطًا لعملية السلام.
أن أوروبا بدأت تستعيد لغة القانون الدولي من باب المصلحة وليس من باب الأخلاق.
أن الصين وروسيا تفضّلان إدارة الصراع بدل الدفع نحو حل نهائي.
هذا المشهد جعل القضية الفلسطينية جزءًا من معادلة مصالح دولية، وليس من معادلة عدالة دولية، وأعاد الاعتبار لأهمية الحضور السياسي والقانوني الفلسطيني في المؤسسات الدولية.
السياق الإقليمي: فلسطين تعود إلى الطاولة
شهد الإقليم العربي بعد 2011 و2020 إعادة تشكيل أولويات الدول على أساس الحسابات الأمنية والاقتصادية والتحالفات الدولية، ما أدى إلى تراجع مركزية فلسطين في الخطاب العربي الرسمي، لصالح سياسات التطبيع أو الصمت أو إدارة الملفات الداخلية.
إلا أن الحرب الأخيرة على غزة أعادت فرض القضية على الإقليم من زاويتين:
زاوية الأمن الإقليمي باعتبار أن تجاهل فلسطين ينتج اضطرابات لا تسويات.
زاوية الرأي العام العربي الذي لم يغادر موقفه من القضية رغم كل التحولات.
وفشلت إسرائيل رغم قوتها العسكرية والغطاء الأمريكي في فرض معادلة “التطبيع أولًا”، ما كشف حدود القوة العسكرية أمام عمق القضية الفلسطينية وأبعادها الإنسانية والسياسية.
المأزق الداخلي: مشروع دون حامل موحد
يقف المشروع الوطني أمام مأزق داخلي لا يمكن تجاهله يتمثل في:
الانقسام السياسي والتنظيمي
ازدواجية البرامج والاستراتيجيات
تراجع دور منظمة التحرير
غياب رؤية وطنية جامعة
وهو ما يجعل إعادة بناء المشروع الوطني مشروطة بإعادة بناء الحامل السياسي الموحد عبر الشراكة الوطنية وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي بدل الفصائلي.
العرب بين السياسة والرأي العام
التباين بين الموقفين الرسمي والشعبي في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية أصبح واضحًا. فالدول باتت تحكمها حسابات الأمن والمصالح، بينما الشعوب لا تزال ترى فلسطين قضية هوية وعدالة.
وقد أثبتت الحرب على غزة أن تجاوز فلسطين لم يكن ممكنًا، وأن القضية تظل عنصرًا بنيويًا في الأمن العربي.
خارطة المستقبل: مسارات محتملة
يمكن قراءة مستقبل المشروع الوطني عبر ثلاثة مسارات متوازية:
أولًا ـ المسار الداخلي:
استعادة الوحدة، إعادة بناء منظمة التحرير، تطوير أدوات المقاومة السياسية والدبلوماسية.
ثانيًا ـ المسار الإقليمي:
إعادة إدراج فلسطين في معادلة الأمن الإقليمي، وبناء علاقات متوازنة مع القوى العربية والإقليمية.
ثالثًا ـ المسار الدولي:
تفعيل أدوات القانون الدولي والمحاكم والقرارات الأممية، والعمل على تدويل الصراع بدل حصره في واشنطن.
خاتمة
المشروع الوطني الفلسطيني لا يحتاج إلى إعادة اختراع، بل يحتاج إلى إعادة تعريف وإعادة بناء وإعادة تموضع ضمن بيئة دولية وإقليمية في حالة سيولة.
فالتحرر مشروع طويل النفس لا يتحقق بالشعارات ولا بإدارة يومية للأزمة، وإنما بإطار سياسي موحد ورؤية استراتيجية تُعيد للقضية مكانتها وتستعيد للحقوق الفلسطينية حضورها في النظام الدولي.