إنكار الدولة الفلسطينية ومأزق الصراع المفتوح

د. إبراهيم نعيرات

يناير 27, 2026 - 17:37
إنكار الدولة الفلسطينية ومأزق الصراع المفتوح

بينما يعلن اليمين الإسرائيلي سعيه لقتل فكرة الدولة الفلسطينية باسم الأمن، يغفل عن مفارقة خطيرة: إنكار هذه الدولة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يُبقي وجود إسرائيل نفسه بلا إغلاق تاريخي، معلّقًا على صراع مفتوح لا نهاية واضحة له.

في تصريحات متكررة صادرة عن قيادات اليمين الإسرائيلي الحاكم، يتكرس خطاب يقوم على رفض صريح لأي أفق سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، وتصوير هذا الخيار باعتباره تهديدًا وجوديًا وأمنيًا لإسرائيل. هذا الخطاب، الذي يربط بين منع الدولة الفلسطينية وتعزيز الاستيطان بوصفه “حزامًا أمنيًا”، يستحضر تجربة غزة كنموذج يُستخدم لتبرير الإغلاق الكامل لأي تسوية مستقبلية. غير أن ما يبدو في ظاهره تعبيرًا عن حزم أمني، يكشف في جوهره مزيجًا من الانحراف الأيديولوجي والقصور الاستراتيجي، إذ يعكس رغبة واعية في محو أي أفق سياسي للفلسطينيين، دون إدراك أن هذا المسار لا يوفر الأمن، بل يُبقي إسرائيل في حالة قلق دائم ووجود غير مكتمل سياسيًا وتاريخيًا.

بعد أكثر من سبعين عامًا على الصراع، أصبح وجود الفلسطينيين حقيقة سياسية وتاريخية لا يمكن تجاوزها أو شطبها من المعادلة. وكما تحولت فكرة الدولة اليهودية، التي بدت في بدايات القرن الماضي حلمًا سرياليًا، إلى واقع قائم بفعل التحولات الدولية والقوة السياسية، فإن فكرة الدولة الفلسطينية بدورها لم تعد شعارًا أو وهمًا، بل أصبحت واقعًا يتكرس رغم كل محاولات الإنكار. إنكار هذا الواقع لا يلغيه، بل يزيد من تعقيده ويؤجل لحظة الانفجار.

ما يطرحه اليمين الإسرائيلي اليوم في الضفة الغربية لا يمثل مشروع أمن أو إدارة صراع، بل وصفة مفتوحة لصراعات لا تنتهي. فالصورة التي يسعى إلى تكريسها تقوم على مستوطنات منتشرة بين المدن والقرى الفلسطينية، تتحول مع مرور العقود إلى تجمعات سكانية متجاورة ومتداخلة، تقتضي تدابير أمنية مستمرة ومهلكة. هذا النموذج لا ينتج استقرارًا، بل يولد احتكاكًا دائمًا، ويجعل من كل شارع وقرية نقطة اشتعال محتملة. إنه وقود مستمر لصراع منخفض الحدة لكنه طويل الأمد، يستنزف الجميع ولا يفضي إلى حسم.

الإصرار على إنكار الدولة الفلسطينية يشبه محاولة حرق الجسر الوحيد المؤدي إلى مستقبل مستقر. فرفض الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية لا يحقق الأمن، ولا يُنهي الصراع، بل يضمن استمراره لعقود إضافية. الفلسطينيون موجودون على الأرض، واستمرارهم جزء من الحقيقة الجغرافية والتاريخية، وأي محاولة لإلغاء هذه الحقيقة تعني استنزافًا طويل الأمد لإسرائيل نفسها، وتحويلها إلى كيان غير مكتمل، معلّق على مزاج التاريخ، وعرضة للتقلبات السياسية والديموغرافية.

المفارقة الكبرى تكمن في أن رفض الدولة الفلسطينية هو، في جوهره، رفض لتثبيت دولة الاحتلال ذاتها. فالاعتراف بدولة فلسطينية كان يمكن أن يشكل لحظة إغلاق تاريخي لملف الصراع، وختمًا نهائيًا لمسألة الوجود والشرعية. أما الإبقاء على القضية مفتوحة، فهو إبقاء الدولة نفسها مفتوحة على الشك والتساؤل، وكأنها لم تنجح بعد في الانتقال من مشروع قوة إلى دولة مستقرة نهائية، رغم ما حققته من مكاسب في الأرض والدعم والاعتراف الدولي. الطمع السياسي، والرغبة في المزيد، يحول ما تم تحقيقه إلى عبء، ويجعل المشروع برمته يبدو وكأنه محكومًا بالفشل لا بسبب الخسارة، بل بسبب العجز عن الاكتفاء.

وفي جوهر هذا المأزق، لا تتعلق المسألة بالدولة الفلسطينية بوصفها “تنازلًا” أمنيًا أو سياسيًا، بل بوصفها لحظة إغلاق تاريخي لا غنى عنها. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القوة، بل بقدرتها على إنهاء صراعاتها المؤسسة، وتثبيت شرعيتها ضمن إطار نهائي ومعترف به. الدولة التي ترفض إنهاء صراعها، وتبقي وجودها معلقًا على إدارة نزاع مفتوح، تظل في حقيقتها مشروعًا غير مكتمل، لا دولة مستقرة. ومن هذه الزاوية، فإن إنكار الدولة الفلسطينية لا يؤجل فقط حل الصراع، بل يؤجل اكتمال الدولة الإسرائيلية ذاتها، ويُبقيها في حالة اختبار دائم للشرعية والوجود، بدل الانتقال إلى مرحلة الدولة النهائية المغلقة تاريخيًا.

وغالبًا ما تُرفع ذريعة “الأمن” لتبرير هذا الرفض، وهي ذريعة تتفق عليها تقريبًا كل الأطياف السياسية في إسرائيل. غير أن هذا الادعاء يفقد الكثير من وجاهته عند إخضاعه للمنطق السياسي البارد. فالأمن يمكن تأمينه، وبدرجة عالية، عبر قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح بالكامل، خاضعة لرقابة دولية صارمة وشروط أمنية واضحة. مثل هذا الحل ليس خياليًا ولا بعيد المنال، بل هو في متناول اليد، وإسرائيل تمتلك من القدرات العسكرية والتكنولوجية ما يكفل منع تحوّل الدولة الفلسطينية إلى أي تهديد. بل إن أي خرق مستقبلي يمكن التعامل معه حينها ضمن إطار قانوني وسياسي محدد، وقد يُستخدم ذريعة لإجراءات احتلال أو ضم، بدل البقاء في حالة صراع مفتوح بلا أفق.

لن أحاول إقناع الإسرائيليين بهذا المنطق، فشريحة واسعة منهم تبنته في مراحل سابقة، ورأت فيه السبيل الأسلم لإنهاء الصراع، وهو ما أفضى إلى اتفاقيات مثل أوسلو. أما اليمين، فقد اختار التمترس في تطرف يقود إلى المجهول ويغامر بمستقبله. والتاريخ كثيرًا ما خدع الأقوياء؛ فالثقة الزائدة بالقوة، والشعور بالتفوق الدائم، غالبًا ما يقودان إلى الضياع. ومع تعقّد الصراع عبر الزمن، بات من الواضح أن لا شيء مضمون، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة في المشهد الدولي، والتي تنذر بتحولات هيكلية في النظام العالمي، وفي مقدمتها السلوك الأميركي غير التقليدي، ما يزيد من هشاشة الرهانات الأحادية.

خطاب اليمين الإسرائيلي الحاكم، الذي يبدو في ظاهره تعبيرًا عن قوة وثقة، يكشف في جوهره عبثية فكر يعتقد أن الأمن يُبنى بالقهر، وأن المستقبل يمكن تأمينه بقتل الحلم الفلسطيني. الواقع يقول العكس تمامًا. فكل محاولة لإلغاء الفلسطينيين تعني إطالة أمد الصراع، وتعني في الوقت ذاته إبقاء دولة الاحتلال معلّقة، غير مكتملة، وكأنها ما زالت في طور التجربة لا في طور الاستقرار النهائي. وفي النهاية، يبدو أن من يحاول قتل حلم الفلسطينيين إنما يطلق النار على قدمه، وعلى مستقبل دولته، والتاريخ لا يرحم من يرفض الاعتراف بالواقع حين يصبح حتميًا.