الإمارات وإسرائيل والتعليم في غزة: إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني أم تهديد للهوية؟

يناير 27, 2026 - 15:54
الإمارات وإسرائيل والتعليم في غزة: إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني أم تهديد للهوية؟

الإمارات وإسرائيل والتعليم في غزة: إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني أم تهديد للهوية؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
أعلنت اليوم إذاعة الجيش الإسرائيلي أن دولة الإمارات ستتولى إدارة التعليم في قطاع غزة، ضمن ما يُسمّى بـ «الديانة الإبراهيمية». هذا الإعلان ليس حدثًا عابرًا، بل يمثل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني بعد عقود من النضال والحفاظ على الهوية الوطنية.
إسرائيل لم تعد تهدف فقط إلى إعادة إعمار غزة، بل تسعى إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني فكريًا وثقافيًا. ومن خلال التعليم، تحاول إسرائيل وبعض الأطراف الإقليمية إنتاج جيل فلسطيني "مستسلم"، بلا دين، بلا ذاكرة، وبلا عقيدة مقاومة.
التعليم الفلسطيني: واقع متفوق وصمود تاريخي
الفلسطينيون ليسوا حالة تعليمية متخلّفة تحتاج وصاية خارجية. على العكس، هم من أعلى الشعوب العربية تحصيلًا علميًا، وقد تبوأ فلسطينيون مواقع رفيعة في المؤسسات العلمية والبحثية في العالم العربي والإسلامي وحتى على الصعيد الدولي. هؤلاء لم ينتظروا أحدًا، ولا يحتاجون لأي مشروع خارجي لزرع ثقافة تتعارض مع عقيدتهم الدينية أو قيمهم الوطنية.
التعليم في فلسطين لم يكن مجرد نشاط مدرسي، بل خيار وجودي وامتداد لمسار تاريخي طويل من الصمود والمقاومة. استمرار العملية التعليمية رغم الحروب والقصف والتشريد والخيام والمطر والبرد، يعكس وعيًا عميقًا بأن المعرفة أداة بقاء ومقاومة، وأن التعليم هو الضمانة الأساسية للحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.
أبعاد التدخل الإماراتي والإسرائيلي
محاولة إخضاع التعليم الفلسطيني لإدارة خارجية تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية خطيرة:
تبييض الاحتلال: تقديم الاحتلال كـ «شريك تنموي» بدلاً من مواجهة الحقائق.
إضعاف الهوية الوطنية: المناهج الأجنبية أو المحرفة قد تهدف إلى تشكيل وعي ديني وثقافي يخدم مصالح خارجية، بعيدًا عن القيم الفلسطينية.
تفكيك المجتمع: التعليم الموجه من الخارج قد يقلل من ارتباط الطلاب بتاريخهم وبيئتهم، ويخلق جيلًا أقل وعيًا بقضيتهم الوطنية.
التعليم الفلسطيني خيار وجودي لا مشروعًا عابرًا
أي نقاش جاد حول التعليم في فلسطين يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة: التفوق التعليمي الفلسطيني واقع موثّق، والاستثمار في التعليم استثمار في المستقبل الوطني. المناهج الفلسطينية يجب أن تعكس التاريخ والثقافة والقيم الوطنية، وتمنح الطلاب أدوات الوعي النقدي، الابتكار، والقدرة على الصمود.
الخلاصة
التعليم في غزة وفلسطين عامة ليس مجرد قضية مدرسية، بل أولوية استراتيجية للوجود الفلسطيني. أي تدخل خارجي، مهما كانت دوافعه المعلنة، يجب أن يُقارن مع هذا الواقع: التعليم هو امتداد للمقاومة والتحدي، وليس أداة لتقويض الهوية الوطنية أو لتشكيل الإنسان الفلسطيني وفق مشاريع خارجية.
الفلسطينيون أثبتوا عبر التاريخ أن التعليم هو سلاح المقاومة وأداة البقاء، ومن هنا فإن أي خطة لإخضاعه أو تغييره خارج السياق الوطني هي محاولة لتقويض المستقبل الفلسطيني قبل أن يُولد.
والمفارقة الكبرى: الفلسطينيون الذين تبوأوا مراكز علمية مرموقة في العالم العربي والإسلامي والدولي لم ينتظروا الإمارات أو أي مشروع خارجي لتعليمهم، ولم يحتاجوا إلى زرع ثقافة تتعارض مع عقيدتهم الدينية أو وعيهم الوطني.
بقلم المحامي علي أبو حبلة