**طولكرم على حافة الانهيار الشامل:

يناير 29, 2026 - 22:46
يناير 29, 2026 - 22:47
**طولكرم على حافة الانهيار الشامل:

**طولكرم على حافة الانهيار الشامل:

حصار الاحتلال، النزوح القسري، والركود الاقتصادي… من ينقذ محافظة العلم والعلماء؟**

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

باحث في القانون ومحلل سياسي– رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

مقدمة: مدينة تُستنزف بصمت

تعيش محافظة طولكرم واحدة من أخطر وأعمق الأزمات المركّبة في تاريخها الحديث، أزمة لم تعد تقتصر على تداعيات الاحتلال العسكرية، بل تحوّلت إلى انهيار بنيوي شامل يطال الإنسان، والاقتصاد، والمجتمع، والبيئة، والصحة، والتعليم، في ظل صمت دولي، وعجز وطني عن بلورة استجابة استراتيجية بحجم الكارثة.

ما يجري في طولكرم اليوم ليس مجرد “تدهور أوضاع”، بل مشروع إنهاك ممنهج لمدينة حدودية فلسطينية، يُراد لها أن تُفرغ من مقومات الحياة والصمود، تمهيدًا لإعادة تشكيلها ديمغرافيًا واقتصاديًا بما يخدم منظومة الاحتلال والاستيطان.

أولًا: طولكرم… الجغرافيا المحاصَرة والمدينة المخنوقة

تتموضع طولكرم في واحدة من أكثر المناطق حساسية استراتيجيًا، ما جعلها هدفًا مباشرًا لسياسات الاحتلال، حيث:

يطوّقها جدار الفصل العنصري ويعزلها عن محيطها الزراعي والاقتصادي.

تتعرض أراضيها إلى مصادرة ممنهجة لصالح التوسع الاستيطاني.

تُحاصر كممر حدودي دون سيادة أو قدرة على تطوير تجارة أو صناعة مستقلة.

وبذلك تحوّلت المدينة من نقطة وصل اقتصادية إلى جزيرة محاصرة بلا أفق تنموي.

ثانيًا: مخيما طولكرم ونور شمس… النزوح القسري كسياسة

ما يتعرض له مخيما طولكرم ونور شمس يرقى إلى مستوى التهجير القسري المنهجي:

اقتحامات متكررة وتدمير للبنية التحتية.

نزوح داخلي قسري للأهالي، دون ضمانات للعودة الآمنة.

تدمير المنازل والمرافق الحيوية.

هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتهدف إلى تفريغ المخيمات من بعدها الوطني والرمزي، وتحويلها إلى عبء إنساني دائم بدل كونها شاهدًا على قضية اللاجئين.

ثالثًا: الركود الاقتصادي… من الشلل إلى الإفلاس

الاقتصاد الطولكرمي يمر بحالة اختناق كامل:

إغلاق مؤسسات تجارية وصناعية.

ارتفاع غير مسبوق في الشيكات الراجعة وانهيار الثقة المالية.

توقف عجلة الاستثمار المحلي.

ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب والخريجين.

المدينة التي كانت تعتمد على الزراعة، والصناعة الخفيفة، والتجارة الحدودية، تُدفَع اليوم نحو اقتصاد البقاء بدل اقتصاد الإنتاج.

رابعًا: الفقر والتفكك الاجتماعي

تداعيات الأزمة الاقتصادية انعكست اجتماعيًا بشكل خطير:

اتساع رقعة الفقر والعوز.

تآكل الطبقة الوسطى.

عجز آلاف الأسر عن تأمين الحد الأدنى من المعيشة.

تراجع دور الجمعيات والمؤسسات الأهلية بسبب نقص التمويل.

وهنا يصبح الفقر تهديدًا للاستقرار المجتمعي وليس مجرد مؤشر اقتصادي.

خامسًا: الكارثة البيئية… مصانع الموت في خاصرة المدينة

تُعاني طولكرم من وجود مصانع إسرائيلية ملوِّثة تُعرف محليًا بـ”مصانع الموت”، والتي:

تلوّث الهواء والمياه والتربة.

تتسبب بارتفاع معدلات الأمراض السرطانية والتنفسية.

تشكّل اعتداءً مباشرًا على الحق في بيئة سليمة.

وهو ما يندرج ضمن جريمة بيئية منظمة يُحاسَب عليها الاحتلال وفق القانون الدولي.

سادسًا: الانهيار الصحي… حين يصبح العلاج حلمًا

القطاع الصحي في طولكرم يعاني:

نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات.

تعطلًا جزئيًا في المرافق الصحية.

عجز المواطنين عن تحمّل تكاليف العلاج.

غياب خطط طوارئ صحية حقيقية.

وفي ظل الفقر والتلوث، تتحوّل الأمراض المزمنة إلى حكم بالإعدام البطيء للفئات الأكثر ضعفًا.

سابعًا: محافظة العلم والعلماء… استنزاف المستقبل

عُرفت طولكرم تاريخيًا بأنها محافظة العلم والعلماء، لكنها اليوم تواجه:

بطالة واسعة بين الخريجين.

هجرة العقول والكفاءات.

تراجع جودة التعليم بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وهو أخطر أشكال الاستهداف: تفريغ المدينة من رأس مالها البشري.

ثامنًا: المسؤولية القانونية والسياسية

1. الاحتلال الإسرائيلي

هو المسؤول الأول عن:

الحصار.

التهجير القسري.

مصادرة الأراضي.

التلوث البيئي.

تدمير الاقتصاد المحلي.

2. المسؤولية الوطنية

تقع مسؤولية مباشرة على:

الحكومة الفلسطينية.

المؤسسات الرسمية.

غياب الخطط الطارئة الخاصة بالمناطق المنكوبة.

تاسعًا: نحو استراتيجية إنقاذ شاملة لطولكرم

إنقاذ طولكرم يتطلب:

إعلان المحافظة منطقة منكوبة وطنيًا.

خطة طوارئ اقتصادية عاجلة لدعم التجار والعمال.

برنامج خاص لإغاثة مخيمي طولكرم ونور شمس.

تحرك قانوني دولي ضد الجرائم البيئية.

دعم مباشر للقطاع الصحي.

إشراك النخب الأكاديمية والاقتصادية في صنع القرار.

تفعيل الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد.

خاتمة: طولكرم ليست وحدها… لكن سقوطها خطر على الجميع

ما يجري في طولكرم اليوم ليس شأنًا محليًا، بل نموذجًا لما قد تواجهه مدن فلسطينية أخرى إذا استمر الصمت والتقاعس.

إنقاذ طولكرم هو اختبار حقيقي للإرادة الوطنية،

وسقوطها – لا قدّر الله – هو إنذار مبكر لانهيارات أوسع.

طولكرم لا تطلب صدقة… بل حقها المشروع في الحياة والكرامة والصمود.