الدور الريادي والوطني للمجالس المحلية

يناير 29, 2026 - 08:21
الدور الريادي والوطني للمجالس المحلية

الكاتب:  ربحي دولة

تلوح في الأفق انتخابات المجالس القروية والبلدية في فلسطين، في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا وصعوبة، في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلاد.
تأتي هذه الانتخابات فيما تواجه البلديات أزمة مالية خانقة، وتراجعًا في الإيرادات، مقابل تصاعد احتياجات المواطنين ومتطلباتهم اليومية.

ورغم قسوة الواقع، يبرز تدافع كبير على الترشح للمجالس البلدية والقروية. هذا التدافع لا يعكس دائمًا فهمًا عميقًا لحجم المسؤولية الوطنية والمهنية المطلوبة، إذ يدخل البعض المعترك الانتخابي بعقلية تقليدية، لا تدرك أن إدارة البلديات اليوم لم تعد تقتصر على تقديم خدمات أساسية، بل باتت مسؤولية قيادية ذات أبعاد تنموية ووطنية وسياسية.

إن العمل البلدي التقليدي، القائم على إدارة الأزمة لا على تجاوزها، لم يعد قادرًا على النهوض بالهيئات المحلية، بل أصبح في كثير من الأحيان عاملًا في تعميق التراجع. وفي المقابل، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من البلديات أن تؤدي دورًا رياديًا وطنيًا يتجاوز حدودها الجغرافية الضيقة، وينطلق نحو رؤية تكاملية شاملة.

فالبلديات الفلسطينية ليست جزرًا معزولة، بل وحدات متكاملة في نسيج وطني واحد. ومن هنا، تبرز أهمية التعاون والتنسيق العالي بين البلديات، وتبادل الخبرات، وتنفيذ المشاريع المشتركة، وتوحيد الجهود في مجالات حيوية مثل إدارة النفايات، والطاقة البديلة، والمياه، والتخطيط الحضري، وجذب التمويل. إن هذا النهج التكاملي يعزز الكفاءة، ويقلل الكلف، ويحقق المصلحة العامة للجميع، بعيدًا عن النظرة الجغرافية الضيقة التي أثبتت فشلها.

كما أن الدور المأمول من البلديات يتمثل في قدرتها على بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، والمؤسسات الأهلية، والاتحادات البلدية، والجهات المانحة، ضمن رؤية وطنية موحدة، تقوم على الابتكار، وخلق فرص اقتصادية محلية، وتطوير مشاريع مدرة للدخل، وتحسين إدارة الموارد المتاحة، وتجنيد الأموال بطرق مستدامة وشفافة.

وفي هذا السياق، تصبح البلدية فاعلًا وطنيًا في تعزيز صمود المواطنين، وتحقيق التنمية المحلية، ودعم المبادرات الشبابية، واستثمار الإمكانات البشرية والمادية المتوفرة، وليس مجرد جهة خدمية تنتظر الدعم أو تبرر إخفاقها بصعوبة الظروف.

إن الاستسلام للواقع القائم، أو الانغلاق ضمن حدود المكان، لا ينتج إنجازًا ولا يحقق تطورًا. فالواقع الفلسطيني لطالما كان صعبًا، لكن البلديات التي امتلكت رؤية واضحة، وإدارة كفؤة، وروحًا تعاونية، استطاعت أن تُحدث فارقًا حقيقيًا، وأن تتحول إلى نماذج ناجحة رغم كل التحديات.

إن المرحلة القادمة تتطلب مجالس بلدية واعية، مؤمنة بأن التكامل لا التنافس، والتعاون لا الانعزال، والابتكار لا الجمود هي مفاتيح النجاح. فإما أن تنهض البلديات بدورها الريادي والوطني، وتكون جزءًا من الحل، أو تبقى أسيرة واقع يزداد تعقيدًا يومًا بعديوم.
٠ كاتب وسياسي فلسطيني