الترهل الوظيفي بين العطب البنيوي وغياب الحوكمة: قراءة قانونية ومؤسساتية مقارنة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الترهل الوظيفي بين العطب البنيوي وغياب الحوكمة: قراءة قانونية ومؤسساتية مقارنة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث سياسي وقانوني ورئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
مقدمة
لم يعد الترهل الوظيفي في المؤسسات العامة مسألة إدارية تقنية، بل تحوّل إلى مؤشر دقيق على اختلالات بنيوية أعمق تمس بنية الدولة، ووظيفة الإدارة العامة، وعلاقتها بالمواطن والتنمية. فحيثما تغيب النظم الإدارية المتكاملة، وتضعف الحوكمة، ويتراجع الالتزام بالمبادئ الدستورية، يصبح التضخم الوظيفي نتيجة حتمية لا سببًا قائمًا بذاته.
إن مقاربة هذه الظاهرة تتطلب قراءة شاملة تتجاوز البعد الوظيفي الضيق، لتشمل الأبعاد السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، في إطار مقارن يستفيد من تجارب دولية ناجحة في الإصلاح المؤسسي.
أولًا: الترهل الوظيفي كنتاج لغياب الإدارة الحديثة
تؤكد الأدبيات الإدارية الحديثة أن كفاءة الجهاز الوظيفي لا تُقاس بعدد العاملين، بل بمدى مواءمة الموارد البشرية مع الأهداف الاستراتيجية للدولة. غير أن العديد من المؤسسات العامة تعمل في ظل:
غياب التخطيط الاستراتيجي القائم على البيانات
ضعف توصيف الوظائف وربطها بالحاجة الفعلية
غياب نظم تقييم الأداء والمساءلة
وقد أفضى هذا الواقع إلى ما يُعرف بالبطالة المقنّعة، حيث تتحول الوظيفة العامة من أداة إنتاج وخدمة إلى عبء مالي ومؤسسي يحدّ من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو التنمية.
ثانيًا: البعد القانوني والدستوري للأزمة
من منظور قانوني، يرتبط الترهل الوظيفي ارتباطًا وثيقًا بسلامة الإطار الدستوري الحاكم للمؤسسة العامة. فالدساتير الحديثة تقوم على:
مبدأ الفصل بين السلطات
خضوع الإدارة العامة للقانون
الرقابة البرلمانية والقضائية الفاعلة
وعندما يختل هذا التوازن، أو تُضعف آليات الرقابة والمساءلة، تتآكل المعايير القانونية في التوظيف والإدارة، ويغدو القرار الإداري عرضة للاجتهاد السياسي بدل الاحتكام للنص القانوني وروحه. ويؤدي ذلك إلى تراجع مبدأ تكافؤ الفرص، وإضعاف ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
ثالثًا: الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية
لا يقتصر أثر الترهل الوظيفي على الموازنة العامة، بل يمتد ليطال النسيج الاجتماعي والمسار المدني للدولة. فضعف العدالة في التوظيف والترقية يؤدي إلى:
تآكل الشعور بالمواطنة المتساوية
تصاعد النزعات الزبائنية
تراجع ثقافة العمل والإنتاج
كما يسهم هذا الواقع في خلق بيئة غير جاذبة للاستثمار، إذ تشكل البيروقراطية المترهلة وعدم وضوح الإجراءات أحد أبرز معوّقات التنمية الاقتصادية المستدامة.
رابعًا: الإعلام بين التشخيص والمسؤولية
يلعب الإعلام دورًا محوريًا في مقاربة هذه الظاهرة، شريطة أن يتجاوز الخطاب الانفعالي أو الشعبوي، ويتبنى مقاربة تحليلية تستند إلى الوقائع والمؤشرات. فالإعلام المهني مسؤول عن:
تفكيك أسباب الترهل لا الاكتفاء بوصف مظاهره
تعزيز النقاش العام حول الإصلاح المؤسسي
دعم ثقافة المساءلة والشفافية
خامسًا: نماذج دولية في الإصلاح المؤسسي
تُظهر التجارب الدولية أن معالجة الترهل الوظيفي ممكنة ضمن رؤية شاملة للإصلاح:
سنغافورة: اعتمدت نموذج الخدمة المدنية القائمة على الكفاءة والجدارة، وربطت الأجور بالأداء، مع شفافية صارمة في التوظيف، ما جعل جهازها الإداري من الأكثر كفاءة عالميًا.
ألمانيا: عززت اللامركزية الإدارية، وفعّلت الرقابة البرلمانية، وربطت التخطيط الوظيفي بالسياسات الاقتصادية طويلة الأمد.
المغرب: شرعت في إصلاحات تدريجية شملت رقمنة الخدمات العامة، وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية، وتحديث الإدارة وفق مبادئ الحكامة الجيدة.
دول الشمال الأوروبي: رسخت مفهوم دولة الرفاه القائمة على إدارة رشيدة، وعدالة اجتماعية، وشفافية عالية، ما حدّ من الترهل ورفع مستوى الثقة بالمؤسسات.
سادسًا: نحو مقاربة إصلاحية شاملة
إن أي معالجة جادة للترهل الوظيفي يجب أن تنطلق من:
إعادة الاعتبار للدستور وسيادة القانون
تحديث النظم الإدارية وفق معايير الحوكمة الرشيدة
إرساء مبدأ الجدارة وتكافؤ الفرص
تعزيز الرقابة والمساءلة المؤسسية
بناء شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع
خاتمة
إن الترهل الوظيفي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة لخيارات وسياسات قابلة للمراجعة والتصحيح. ومعالجة هذه الظاهرة تمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، واستعادة دور المؤسسة العامة كرافعة للعدالة الاجتماعية والتنمية، لا كعبء على الحاضر والمستقبل.



