السابع من أكتوبر وكلفة الكارثة: حين تدفع الشعوب ثمن القرارات غير محسوبة النتائج

يناير 19, 2026 - 08:55
السابع من أكتوبر وكلفة الكارثة: حين تدفع الشعوب ثمن القرارات غير محسوبة النتائج

الكاتب: عبد الله كميل

إلى من يدفعون الثمن لا إلى من يكتفون بالشعارات

لا أخاطب في هذا النص أولئك الذين لم، ولن، يدفعوا دمًا أو أرواحًا أو سنوات قيد في سجون الاحتلال على طريق الحرية والاستقلال.
ولا أوجّه كلماتي إلى من امتهنوا التطرف اللفظي وصناعة الشعارات الخرقاء عبر وسائل الإعلام والفضاءات الإلكترونية، حيث لا تطالهم الخسائر مهما اشتدت لهجتهم.

إنما هذا الخطاب موجّه إلى شعبنا المكلوم، الذي دفع أثمانًا كبرى بعد مغامرة السابع من أكتوبر، تلك التي خلّفت كارثة حقيقية على كل الصعد، وكانت خاتمتها السياسية متمثلة في إعادة طرح فكرة الانتداب وتحقيق الشروط الإسرائيلية عبر خطة ترامب كمخرج لوقف المذبحة ووضع حد للمأساة الإنسانية للفلسطينيين في قطاع غزة.

بين “المغامرة المحسوبة” وسؤال النتائج

قيل إن ما جرى في السابع من أكتوبر كان “مغامرة محسوبة النتائج”، كما ورد على لسان خالد مشعل في أحد تصريحاته،وهنا يفرض السؤال نفسه:

هل كانت في الحسابات أن يخسر الفلسطينيون أكثر من ثمانين ألف شهيد، وأن يتجاوز عدد الجرحى 200 ألف جريح، أصبح جزء كبير منهم من ذوي الإعاقات الدائمة؟

هل كان من ضمن هذه الحسابات تدمير 85% من قطاع غزة، وتحويل المدن والمخيمات إلى ركام، وترك مئات الآلاف بلا مأوى؟

الخسارة التعليمية والانهيار النفسي لجيل كامل

هل كان من ضمن الحسابات هذا الفاقد التعليمي الكبير، والانهيار النفسي لشعب بأكمله يعيش لوعة الفقد، وبرد الشتاء، وغرق الخيام، والخوف المستمر من القصف والملاحقة؟

وهل كان من ضمن هذه الحسابات أن تتحول الطفولة الفلسطينية إلى ذاكرة مثقلة بالموت والنزوح والحرمان بدل المدرسة والأمان والمستقبل؟

من الشعارات الكبرى إلى واقع جغرافي جديد

هل كان من ضمن الحسابات التنازل عن شعارات تحرير الأقصى وفك الحصار عن قطاع غزة، مقابل واقع جديد يقوم على سيطرة الاحتلال على أكثر من نصف القطاع جغرافيًا، وخضوع النصف الآخر للقصف والاغتيال بحرية شبه مطلقة؟

وهل كان في الحسبان أن تُعاد صياغة الجغرافيا بالقوة العسكرية، وأن يصبح الوجود الفلسطيني في قطاع غزة أكثر هشاشة مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر؟

الضفة الغربية والسجون: دوائر العقاب المتسعة

هل كان من ضمن الحسابات ردود فعل إدارة السجون على الأسرى، حيث يعيشون أوضاعًا مأساوية حتى اليوم؟

وهل كان من الحسابات استفحال الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وإعادة المستوطنات التي انسحبوا منها سابقًا، وتدمير مخيمات جنين وطولكرم، وتوسيع دائرة المواجهة والعقاب الجماعي؟

المشهد الإقليمي وإنهاء ما سُمّي بمحور المقاومة

وهل كان من ضمن هذه المغامرة أن نشهد انتهاء ما يُسمّى بمحور المقاومة، سياسيًا وميدانيًا، وانكشاف حدود الدعم والتحالفات في لحظة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية؟

النتيجة السياسية: إنقاذ نتنياهو بدل إضعافه

وهل كان من ضمن الحسابات إنقاذ بنيامين نتنياهو، الذي كان يترنح سياسيًا قبل الحرب هو وتحالفه، بعد أن ثار عليه الإسرائيليون وكانت حكومته قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، لولا أن جاءت عملية السابع من أكتوبر لتعيد توحيد الداخل الإسرائيلي خلفه وتمنحه شرعية الحرب والاستمرار؟


غياب الاعتذار ومسؤولية القيادة

كل ذلك حصل، ومع ذلك لم نسمع صوتًا عاقلًا وجريئًا يدعو إلى الاعتذار لهذا الشعب الذي جرت المغامرة به.

على عكس ما فعله الراحل حسن نصرالله عام 2006، حين قال بعد الحرب مباشرة:
“لو كنت أعلم أن عملية أسر الجنود الإسرائيليين ستؤدي إلى هذه النتائج لما أقدمنا على ذلك”، في موقف اعتبره كثيرون اعتذارًا صريحًا للشعب اللبناني وتحملًا للمسؤولية السياسية والأخلاقية.

الثورات لا تُقام على حساب الشعوب

في تجارب حركات التحرر، كانت القاعدة واضحة:
أعضاء التنظيمات هم من يدفعون الأثمان دفاعًا عن الشعوب، لا أن تُدفع الشعوب إلى واجهة الخسارة.

الثورات لا تُبنى بالمغامرة بالمجتمعات، بل بالسعي الدائم لتجنيبها ويلات الحروب، كما فعل ياسر عرفات حين خرج من لبنان عام 1982، وحرصت التنظيمات آنذاك على القتال بالزي العسكري، حتى لا تُمنح ذريعة لاحتلال مجرم لقتل المدنيين بحجة اختلاط المقاتلين بالمدنيين.

العبرة بالخاتمة

الخلاصة في عبارة واحدة:العبرة بالخاتمة، والخاتمة، حتى هذه اللحظة، ليست إنجازًا سياسيًا ولا مكسبًا وطنيًا، بل كارثة إنسانية وسياسية مفتوحة يدفع ثمنها شعب بأكمله، حاضرًا ومستقبلًا.