هل الذكاء الاصطناعي له حمض نووي!؟ بين خوف العائلة وضرورة الفهم الإنساني للمستقبل
صدقي أبو ضهير
صدقي أبو ضهير
يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى صادمًا، بل أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع، لكنه في الحقيقة يعكس قلقًا إنسانيًا مشروعًا في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة تتجاوز قدرة الناس على الاستيعاب. عندما نسمع أن الذكاء الاصطناعي بات يُخزِّن البيانات داخل حمض نووي صناعي، تتداخل المفاهيم في أذهان العائلات، ويقف الأب والأم أمام سؤال أكبر من التقنية نفسها: إلى أين نمضي بأبنائنا؟ وهل ما نراه اليوم هو بداية انتقال التكنولوجيا من الآلة إلى “شيء يشبه الحياة”؟
في الواقع، الذكاء الاصطناعي لا يملك حمضًا نوويًا، ولن يملكه بالمعنى البيولوجي للحياة. ما يجري الحديث عنه هو استخدام الحمض النووي الصناعي كوسيط تخزين فائق الكفاءة للبيانات الرقمية، تمامًا كما نستخدم الأقراص الصلبة أو الخوادم السحابية، لكن بحجم أصغر وعمر أطول بمئات المرات. هذا الحمض النووي لا ينبض، لا يفكر، لا يتكاثر، ولا يحمل أي شيفرة بشرية أو وراثية، بل هو جزيئات كيميائية مُصمَّمة لتخزين الأرقام لا الأرواح. الخلط بين هذه المفاهيم هو ما يصنع الخوف، لا التكنولوجيا نفسها.
القلق الحقيقي يظهر عندما يدخل هذا النقاش إلى قلب البيت. العائلة اليوم ليست بعيدة عن الذكاء الاصطناعي؛ هو في هواتف الأبناء، في خوارزميات التعليم، في توصيات الفيديو، وحتى في الصور التي تُحفظ لسنوات طويلة. حين تسمع الأم أن “البيانات تُخزَّن داخل حمض نووي”، يتسلل سؤال غريزي: هل نحن نعبث بشيء يشبه الخلق؟ وهل يمكن أن تتحول هذه التقنيات يومًا ما إلى تهديد لأمان أبنائنا أو لهويتهم الإنسانية؟ هذا القلق مفهوم، لكنه يحتاج إلى تهدئة معرفية لا إلى تهويل إعلامي.
التقنيات الجديدة، ومنها التخزين بالحمض النووي الصناعي، وُجدت أساسًا لحماية الذاكرة البشرية لا لمحوها. نحن نعيش عصرًا تُنتج فيه العائلة الواحدة آلاف الصور والملفات خلال سنوات قليلة، بينما وسائل التخزين التقليدية تتلف أو تُفقد أو تُخترق. من هذا المنظور، يصبح الحمض النووي الصناعي محاولة علمية لحفظ الذاكرة العائلية والإنسانية لمدد زمنية قد تمتد لقرون، لا مشروعًا لإعادة تشكيل الإنسان أو استبداله. الخطر لا يكمن في الجزيئات، بل في غياب القوانين والوعي الذي يضبط استخدامها.
الأبناء لا يواجهون خطر الذكاء الاصطناعي بقدر ما يواجهون خطر الجهل به. الطفل الذي يكبر وهو يسمع عن التكنولوجيا كوحش مخيف، سيكون أكثر هشاشة أمامها، بينما الطفل الذي يتعلم أن يسأل ويفهم ويناقش سيكون أكثر أمانًا. دور العائلة اليوم لم يعد يقتصر على التربية الأخلاقية فقط، بل امتد ليشمل التربية الرقمية والعلمية، كي لا يتحول المستقبل إلى مصدر خوف دائم بدل أن يكون مساحة للفرص.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لا يملك حمضًا نوويًا، ولا يسعى ليصبح إنسانًا، ولا يهدد العائلة بذاته. الذي قد يهددنا فعلًا هو ترك الأسئلة الكبرى دون إجابات، وترك الخيال يسبق الفهم. ما نحتاجه اليوم ليس رفض العلم ولا الارتماء الكامل في أحضانه، بل علاقة واعية معه، تبدأ من البيت، وتحمي الأبناء بالمعرفة قبل أي شيء آخر.





