عصر تحكمه البيانات

عبد الرحمن الخطيب

يناير 11, 2026 - 09:35
عصر تحكمه البيانات

عبد الرحمن الخطيب

خبير تقنيات الذكاء الاصطناعي  

على امتداد العقود الثلاثة الماضية، أو على الأقل العقود والتقنيات التي عايشتها، ومنذ انطلاق ثورة الإنترنت الأولى في تسعينيات القرن الماضي، مرورا بعصر الويب التفاعلي، ثم الحوسبة السحابية، والهواتف الذكية، وإنترنت الأشياء، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الكبيرة، ظل عنصر واحد ثابتا في قلب كل هذه التحولات: البيانات.

 

تغيّرت الأدوات وتبدّلت المنصات، لكن جودة أي نظام رقمي كانت – ولا تزال – رهينة بجودة البيانات التي يتغذى عليها، ففي بدايات الويب كانت البيانات تُستخدم لعرض المحتوى فقط، ومع صعود الشبكات الاجتماعية أصبحت انعكاسا مباشرا للسلوك الإنساني، ثم تحولت مع الهواتف الذكية إلى سجل تفصيلي لحياتنا اليومية، ليأتي إنترنت الأشياء فيحوّل كل حركة وكل درجة حرارة وكل نبضة إلى معلومة قابلة للقياس والتخزين.

 

في تلك المراحل، كان التركيز منصبا على بناء الأنظمة: قواعد بيانات، أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، ومنصات إدارة المحتوى، وكانت البيانات تُعامل كمخرجات جانبية لهذه الأنظمة، تُخزَّن وتُستدعى عند الحاجة، ولكن مع تطور الخوارزميات، وخصوصا تقنيات التعلم العميق، انقلبت المعادلة رأسا على عقب، أدرك العالم أن القيمة الحقيقية لا تكمن في النظام ذاته، بل في البيانات التي ينتجها ويتعلم منها  النظام.

 

هنا بدأ الانتقال من مفهوم “إدارة البيانات” إلى مفهوم أوسع وأعمق هو صناعة البيانات – Data Industry؛ أي التعامل مع البيانات بوصفها اصلا إستراتيجيا يجب إنتاجه وتطويره لا مجرد حفظه. لم يعد السؤال: أين نخزّن البيانات؟ بل أصبح: كيف نجمعها؟ كيف ننظفها؟ كيف نُصنّفها ونوسمها؟ وكيف نحولها إلى معرفة قابلة للاستخدام في صنع القرار وتدريب النماذج الذكية؟

 

ومع بروز الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الكبيرة، وصلت البيانات إلى ذروة أهميتها التاريخية. فالنموذج اليوم لا “يتعلم” من الكود بقدر ما يتعلم من البيانات: من تنوعها، ودقتها، وتمثيلها الحقيقي للواقع. نموذج مدرَّب على بيانات ضعيفة سيُنتج ذكاء اصطناعيا ضعيفا، مهما بلغت قوة بنيته البرمجية.

 

لهذا السبب أصبحت البيانات في عصرنا الحديث أهم من النفط. النفط يُستخرج ويُستهلك، أما البيانات فتزداد قيمتها كلما استُخدمت وحُللت وأُعيد توظيفها بذكاء. وهي اليوم تحدد قدرة المؤسسات على التنبؤ بالسوق، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وفعالية السياسات العامة، وحتى مصير الشركات الناشئة في بيئات تنافسية شرسة.

 

إننا نعيش اليوم مرحلة جديدة لم تعد فيها البيانات مجرد سجل تاريخي أو مادة للتحليل، بل أصبحت المادة الخام التي تُصنع منها تطبيقات المستقبل. من توصيات المحتوى، إلى الأنظمة الطبية الذكية، إلى المساعدات الرقمية القادرة على الحوار والفهم، جميعها تقوم على سلاسل طويلة من العمليات غير المرئية: جمع البيانات، تهيئتها، تدقيقها، وتكييفها لغويًا وثقافيًا.

 

وعليه:

*كل ثورة تقنية شهدناها منذ ولادة الإنترنت كانت في جوهرها ثورة بيانات مقنّعة.* وما نعيشه اليوم ليس سوى تتويجا طبيعيا لمسار طويل انتقلت فيه البيانات من الهامش إلى مركز القرار، ومن دور ثانوي في الأنظمة إلى حجر الزاوية في بناء الذكاء الاصطناعي وصناعة المستقبل الرقمي.