الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية: احتجاج على التمييز ورسالة سياسية في مواجهة اليمين المتشدد

أكتوبر 31, 2026 - 10:05
الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية: احتجاج على التمييز ورسالة سياسية في مواجهة اليمين المتشدد

الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية: احتجاج على التمييز ورسالة سياسية في مواجهة اليمين المتشدد
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
لم تكن الكثافة اللافتة في مشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين في انتخابات الكنيست الإسرائيلي مجرد تحرك انتخابي عابر، أو استجابة لحسابات حزبية ضيقة، بل يمكن قراءتها باعتبارها تعبيراً عن حالة تراكمية من الاحتقان السياسي والاجتماعي، ورد فعل على سياسات التمييز والتهميش التي شهدتها سنوات حكم بنيامين نتنياهو، ولا سيما في ظل نفوذ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وما ارتبط بهما من مواقف وسياسات أثارت مخاوف المواطنين العرب بشأن حقوقهم ومكانتهم ومستقبلهم.
فالمواطنون العرب، الذين يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، هم جزء لا يتجزأ من المجتمع والمكون السكاني للدولة، ومن حقهم التمتع بالمواطنة المتساوية، والحماية القانونية، والعدالة في توزيع الموارد والخدمات، بعيداً عن التمييز على أساس قومي أو ديني. غير أن واقع البلدات العربية، بما يشهده من تفاقم الجريمة المنظمة والعنف، وأزمة السكن، وقيود التخطيط والبناء، وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، يعكس حجم التحديات التي تواجه هذا المجتمع.
وقد أشار محللون إسرائيليون، من بينهم أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا أسعد غانم، إلى أن السياسات المتبعة في ظل حكومة نتنياهو – سموتريتش تمثل عاملاً أساسياً في تعميق أزمة الثقة لدى المواطنين العرب. كما ربطت تقارير «تايمز أوف إسرائيل» ارتفاع المشاركة الانتخابية بمواقف بن غفير، وتفاقم الجريمة، وهدم المنازل، والشعور بالتهميش. وقدم الباحث الإسرائيلي يعقوب حلبي، في دراسة أكاديمية منشورة عام 2026، تحليلاً للتفاوت في توزيع الأراضي والموارد العامة وأزمة السكن والأمن الشخصي لدى المواطنين العرب.
ومن هنا، يمكن فهم ارتفاع التصويت العربي باعتباره رسالة سياسية مفادها أن المجتمع العربي يريد أن يكون شريكاً في صنع القرار، لا مجرد أقلية انتخابية يجري استحضارها عند الحاجة ثم إقصاؤها عند توزيع النفوذ والسلطة.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية في ضوء حصول القوائم العربية مجتمعة على 19 مقعداً وفق النتائج المعلنة، مقابل عدم تمكن معسكر نتنياهو من بلوغ الأغلبية البرلمانية المطلوبة، والمحددة بـ61 مقعداً. وهذا يمنح الصوت العربي وزناً تفاوضياً ورقابياً مهماً، وإن كان لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة منفرداً على تغيير السياسات الحكومية.
التناقض في الحديث عن التدخل الخارجي
وفي خضم التحقيقات بشأن شبهات التدخل الخارجي وتمويل بعض الأنشطة الانتخابية، تبرز ضرورة تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية. فإذا كان التدخل الخارجي في الانتخابات مرفوضاً، فإن هذا المبدأ ينبغي أن يسري على جميع الأطراف، بما فيها التدخلات السياسية العلنية الصادرة عن قوى دولية.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن صراحة دعمه لبنيامين نتنياهو قبل الانتخابات، وأشاد به علناً، في خطوة تناولتها وكالات الأنباء باعتبارها تدخلاً سياسياً واضحاً في سياق انتخابي داخلي. كما نقل موقع «أكسيوس» وجود تباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن قرار ترامب تأييد نتنياهو. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً حول المعايير التي يجري اعتمادها عند الحديث عن التأثير الخارجي، وضرورة التمييز بين الدعم السياسي المعلن والمخالفات التمويلية التي تستوجب الإثبات والتحقيق.
كذلك، فإن المخاوف الدولية من سياسات اليمين الديني والقومي المتشدد لا تقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل تمتد إلى تداعياتها الإقليمية، في ظل مخاطر التصعيد في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وانعكاسات ذلك على أمن المنطقة واستقرارها. وقد تناولت تحليلات دولية، من بينها تقارير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومعهد واشنطن، أثر تركيبة الحكومة الإسرائيلية ومواقف أقطاب اليمين في مستقبل العلاقات الإقليمية.
الصوت العربي ومعادلة المستقبل
إن ارتفاع المشاركة العربية يفرض على الأحزاب الإسرائيلية إعادة النظر في التعامل مع المواطنين العرب، باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وليسوا تهديداً ديموغرافياً أو سياسياً. كما يضع الأحزاب العربية أمام مسؤولية تحويل التمثيل البرلماني إلى عمل تشريعي ورقابي يدافع عن المساواة، ومكافحة الجريمة، وحق السكن والبناء، وحماية الأراضي، وتحسين الخدمات والميزانيات.
وفي المقابل، فإن تعثر تشكيل الحكومة واحتمالات الذهاب إلى انتخابات جديدة لا ينبغي أن يتحولا إلى مبرر للتشكيك في شرعية التصويت العربي أو تعميم الاتهامات على مجتمع بأكمله. فالشبهات لا تعني الإدانة، والتحقيقات لا تلغي النتائج ما لم يصدر قرار قانوني مختص يستند إلى أدلة.
الخلاصة أن الصوت العربي في هذه الانتخابات حمل رسالة تتجاوز عدد المقاعد؛ رسالة رفض للتهميش والتمييز، وتمسك بالمواطنة والحقوق المتساوية، ورغبة في التأثير في مستقبل الدولة التي يعيش مواطنوها العرب فيها. أما اختبار الديمقراطية الحقيقي فلا يكون فقط في نزاهة صناديق الاقتراع، بل في احترام نتائجها، وضمان المساواة لجميع المواطنين، وعدم تحويل الاختلاف القومي أو السياسي إلى مبرر للإقصاء.
وتبقى استدامة الاستقرار في المنطقة مرتبطة بإنهاء الاحتلال، واحترام حقوق الشعب الفلسطيني، ووقف سياسات الضم والاستيطان والتهجير، وإيجاد تسوية سياسية عادلة تستند إلى القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة